مساجد الضفة تشكو إلى الله حالها (2)

وليد الهودلي
الثلاثاء ١٦ ٠٧ / ٢٠١٩
وليد الهودلي

حاولت شرح ما آلت إليه مساجدنا وكيف تم تقزيم دورها بعد أن كان دورها عظيمًا في سابق عهدها، خاصة في التعبئة العامة للناس والتي كانت تسهم إيجابيًّا في مواجهة السياسات الاستعمارية. وتساءلت:

من الذي صنع فوبيا المساجد؟ ومن المستفيد فيما لو فُعلت المساجد بشكل أفضل؟ وكيف نعيد للمسجد دوره وعزّه؟ وعلى عاتق من؟

أعتقد أن الذين يرتعبون من المساجد هم الذين أدركوا أن للدين دورا عظيما في صناعة الثورة، هم أنفسهم وزراء الداخلية العرب الذين اجتمعوا مع وزير داخلية الاحتلال برعاية أمريكية على ما سموه تجفيف ينابيع "الإرهاب" بعد أن اعتبروا "الإرهاب" من منتجات الإسلام والمساجد، وهذا ما تم الإعلان عنه في تسعينات القرن الماضي، وما خفي أعظم، كان المسجد مستهدفًا لأنه ينتج ما يواجه طغيانهم وهيمنتهم على بلاد العرب، لأنه ينتج الثقافة الثورية وهم يريدون لشعوبنا ثقافة الهزيمة والخنوع وقابلية الاستعمار والاستحمار وأن تكون دولنا بحكوماتها وشعوبها وثرواتها ومقدراتها ملك يمينهم يفعلون بها ما يشاؤون.

ومما لا شك فيه أن الخاسر إذا قامت المساجد بدورها خير قيام هي السياسات الاستعمارية، وأن شعوبنا هي الرابح الأكبر، سيرتفع المسجد بدوره الفعال بمنظومة القيم، سيدرك الناس معنى الحرية وأهميتها في حياتهم، سيشعر إنسان المساجد بوزنه وأنه كائن يحمل كرامة وعزة وأنه يحمل رسالة عظيمة للناس وأن له دورا ايجابيا هاما في مجتمعه، سيدرك أن من لا يهتم بامر المسلمين فليس منهم، فلا يترك السياسة والساسة تجري دون ان يكون له علاقة بها، بل هو محورها الاساس، وأن رأيه يؤثر في صياغة السياسة العامة في البلد تماما بل وأكثر من إنسان الدول الديمقراطية. وكذلك فان المسجد يضخ في روع الناس رزمة من الأخلاق العامة التي ترتقي به اجتماعيا، وبالتالي انخفاض مستوى الجريمة وهتك النسيج الاجتماعي الذي تحكم رسالة المسجد نسجه بكل قوة ومتانة.

والان يبقى السؤال الأخير كيف ومن؟ تبدأ المسؤولية ممن يرسمون السياسات ويخططون ولا تنتهي بالإمام بل بكل من يرتاد المسجد، واذا أفلست السياسات العامة أو كان دورها سلبيا فإن الإمام الناجح يستطيع ان يرتقي بمسجده إذا امتلك إدارة ناجحة ما استطاع لذلك سبيلا، اذا مدّ جسور التعاون مع الكفاءات الموجودة وشجعها على التعاون وتقديم ما لديها للناس فإنه يستطيع ان يقيم مؤسسة ثقافية اجتماعية ناجحة. والفشل كل الفشل أن يلقي فشله على فشل غيره ولا يحرك ساكنا بل ويبرر الحالة الموجودة، إذ ليس المبدع الذي يبدع عندما تتوفر ظروف وعوامل الابداع بل عند فقدانها وعندما ينجح في انبات زرعه في الارض الصخرية القاسية. ودائما هناك خطة "ب" عندما لا ننجح في تنفيذ خطة. ليس المطلوب أن يقيم في المسجد ثورة أو دولة هكذا دفعة واحدة كما يريد المتحمسون، هناك من يريد اقناع الناس بالخلافة الإسلامية في خطبة جمعة واحدة، البناء التربوي وبناء منظومة القيم تحتاج إلى خطة طويلة الأمد وعمل تراكمي طويل بنفس قوي صادق وإرادة قوية وعزيمة نبيلة، المثابرة والتدرج ومواصلة تعليم قيم الإسلام لكل الفئات العمرية ببرامج متواصلة تثمر كثيرا. أعتقد أن حادي مسيرة المسجد هو الإمام بالدرجة الأولى ثم كل من تطأ قدمه المسجد لأنه كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.