​مرضى غزة في انتظار الحياة أو الموت؟

غزة - نبيل سنونو

يفصلك عن "الهلاك" ثلاثة أسابيع؛ زد على ذلك أو انقص قليلا، أكنتَ رضيعا في الحضانة، أم شيخا كبيرا تعاني من مرض مزمن كالفشل الكلوي، في مستشفى الشفاء وغيره من المستشفيات في قطاع غزة المحاصر دون اعتبار لكونك إنسانا.

ما شأن رضيع من الخدج (يزن كيلو ونصف) قدره أن يولد في قطاع غزة، ويمكث في حضانة مستشفى الشفاء في مدينة غزة، أن يُهدد بانقطاع محتمل قريب للكهرباء على خلفية أزمة الوقود المزمنة، فتودي به إلى الموت دون حول منه ولا قوة؟

يقول رئيس أقسام الحضانة في "الشفاء" د.ناصر بلبل، إن هذه الأقسام بالكهرباء، وانقطاعها "يعني حتمية الوفاة لجميع الحالات، وهذه كارثة"، مضيفا أن نقصا حاصلا في أدوية أساسية، مثل مادة "سورفكتنت" "Surfactant".

وأغلب الحوامل ذوات الحالات الخطرة تتحول إلى مجمع الشفاء الطبي، وأغلبها تكون حالات زارعة وتوائم بأوزان قليلة يحتاجون المادة المذكورة، التي نفدت آخر عبوة منها أمس، وفيما لو وُلد طفل جديد بحاجة إليها لن يتمكن القسم من تزويده بها؛ حسبما يضيف بلبل لصحيفة "فلسطين".

ويصف بلبل هذا الوضع بأنه "كارثي"، مبينا أن 32 رضيعا يتواجدون في أقسام الحضانة في "الشفاء".

ولا تتعدى أوزان الرضع في أقسام الحضانة في "الشفاء" كيلو ونصف، ويعتمدون على التنفس الصناعي.

ويحذر بلبل من "خطر كبير" و"كارثة" إذا ما تم إغلاق مستشفيات مركزية في القطاع.

ويتزامن مع أزمة الوقود والدواء، عدم تلقي عمال شركات النظافة في المستشفيات رواتبهم، ما يدفعهم إلى تنظيم إضرابات، وفي هذا الصدد يقول بلبل، إن النظافة معيار للعمل الصحي، وعدم توفرها يؤدي إلى زيادة الحالات التي تصاب بالتهابات جرثومية تؤدي لارتفاع عدد الوفيات. في قسم غسيل الكلى في "الشفاء" حكايات أخرى من الوجع، حيث يجلس المسن أبو فؤاد حسونة على كرسيه بعين ترقب العلاج، وأخرى تطورات أزمة الوقود وغيرها مما يحدق بحياته والقطاع الصحي برمته.

يؤكد الستيني حسونة، لصحيفة "فلسطين"، أن أصنافا من الأدوية الشهرية التي يفترض أن يتناولها تكون مفقودة أحيانا بشكل كامل، ومنها الفيتامينات اللازمة لمرضى الكلى.

ويشير من ناحية ثانية، إلى أن الاضطراب في عمل شركات النظافة، يؤثر على المرضى ويهدد بحدوث الأوبئة، نظرا للقمامة والمخلفات الطبية، التي تحيط بهم.

يناشد هذا المريض، كل الهيئات والمنظمات الدولية بدعم القطاع الصحي في غزة، قائلا: "لو انقطع الوقود، هذه الأجهزة كلها لن تعمل، نحن كمرضى حياتنا مرتبطة بهذه الأجهزة والكهرباء والوقود".

ينطبق هذ الحال على الفتاة ياسمين، المريضة بالفشل الكلوي، التي كانت تقف إلى جوار والدها "أبو محمد" بينما تنثر نظراته ملامح الأمنيات لها بشفاء عاجل، يزيل عن كاهله أعباء ثقيلة، وأزمات متلاحقة في القطاع الصحي.

يقول أبو محمد –مفضِّلا عدم كشف اسمه كاملا- لصحيفة "فلسطين"، إن المريض يعد الكهرباء جزءا مرتبطا بحياته، فلو توقفت أجهزة غسيل الكلى يتوتر ويشعر أن شيئا من جسده هو الذي توقف.

ويترك ذلك آثارا نفسية على المريض، ويهدد صحته وقد يؤدي إلى تدهورها، إذا لم يتمكن من عمل الغسيل الكلوي؛ بحسب "أبو محمد".

وكان المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة، حذر في منشور عبر صفحته في موقع "فيسبوك"، أول من أمس، من أن منظومة الخدمات الصحية دخلت مرحلة مقلقة للغاية بعد توقف المولدات الكهربائية في 19 مرفقا صحيا أساسيا في قطاع غزة.

البديل هو الموت

ويعاني القطاع الصحي في غزة من أزمات متتالية ومتتابعة منها أزمة نقص الوقود والأدوية والمستهلكات الطبية، بحسب رئيس قسم العلاقات العامة والإعلام في "الشفاء"، د. أيمن السحباني.

ويوضح السحباني لصحيفة "فلسطين"، أن أزمة الوقود متكررة، مبينا أن ما يتوفر من الوقود في "الشفاء" لا يكفي سوى لثلاثة أسابيع، مبينا أن حالة تقشف تسود المستشفى في استخدام الوقود نتيجة لذلك.

وينبه إلى أنه لا يمكن الاستغناء عن عمل "الشفاء" والمستشفيات الرئيسة بأي حال من الأحوال لأن البديل هو "الموت والهلاك للمرضى".

وترشد "الشفاء" استهلاك الوقود لتفادي "الكارثة وهلاك وموت المرضى" في حال نفد الوقود تماما، بحسب السحباني.

ويتابع: "لدينا أزمات منها الاكتظاظ، لأن أغلب المستشفيات التي تم إغلاقها يتم تحويل بعض الحالات منها لمجمع الشفاء"، مردفا: "المستشفى هنا ممتلئ عن بكرة أبيه ولا يوجد مكان فارغ".

ويتحدث السحباني عن "خلية أزمة تعمل على مدار الساعة" لمعالجة الاكتظاظ.

ويقول السحباني: "بعض المرضى في الممرات لعدم وجود أماكن لهم، ويحاول الأطباء على مدار الساعة (معالجة ذلك)، الحالة التي يمكن تخريجها أو إرسالها إلى البيت يتم إرسالها".

ويضيف: "كل يوم هناك عمليات مجدولة، تقريبا 40 عملية تتطلب 40 سريرا بحاجة إلى تفريغ"، مشيرا إلى أن أقساما حساسة كالعناية المركزة وغسيل الكلى والعمليات وحضانة الأطفال والطوارئ وجراحة القلب لا يمكن أن تعمل دون تيار كهربائي.

وبشأن أزمة النقص في الأدوية، يُبيّن أن 45% من الأدوية غير متوفرة، كما تسود أزمة نقص المستهلكات الطبية بنسبة 30%، وأزمة المختبرات والتحاليل المخبرية وصلت لـ58%.

ويثقل ذلك كاهل العاملين في وزارة الصحة والكوادر الطبية، بحسب السحباني.

وتطفو على السطح أزمة شركات النظافة والتغذية أيضًا. وبحسب السحباني فإن هذه الأزمة قديمة جديدة، وقد نفذ عمال النظافة في ديسمبر/كانون الأول الماضي إضرابا عن العمل، وتم إيقاف العمليات المجدولة ليومين.

ويؤكد أن مبلغ مليون و800 شيقل تحدث عنها وزير الصحة جواد عواد كدفعة أولى عاجلة لشركات النظافة والتغذية آنذاك، لإنهاء إضرابهم الذي شل المرافق الصحية في القطاع، لم يتم صرفه بعد.

ويحذر السحباني من أنه إذا لم يتم تدارك هذا الأمر، فإن العمليات المجدولة مهددة بالتوقف واقتصارها على عمليات إنقاذ الحياة.

وعدا عن ذلك، فإن المرضى يعانون من إغلاق المعابر والوضع الاقتصادي الصعب.

ويقول السحباني: "الوضع كارثي"، مضيفا أن الأمور وصلت إلى "الخطوط الحمراء" في القطاع الصحي.

لا شيء يمكنه تخفيف وجع المرضى في القطاع سوى تمكينهم من الحياة، قبل أن يحل بهم الموت بسبب الحصار، والأزمات المتتالية التي تعصف بالقطاع الصحي.