إقرأ المزيد


مقتنيات للسلطان عبد الحميد الثاني.. في عهدة شيخ لبناني

بيروت - الأناضول

رافضا المغريات المادية التي وصلت إلى قرابة مليون دولار أمريكي، ومحتفظا بها في مكان بعيد عن أعين البشر وعدسات الإعلام خشية سرقتها، لا يزال الشيخ اللبناني يوسف سعد صاحب الـ76 عاما يمتلك مجموعة قيّمة من مقتنيات تعود إلى عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1842-1918).

أربع قطع أثرية تتألف من خزانتين كبيرتين، إلى جانب لوحة زجاجية داخلها أقدم خريطة لمدينة "إسطنبول" تم رسمها يدوياً من قبل أشهر رسامي العهد العثماني في القرن التاسع عشر، وخزانة متوسّطة الحجم هي أشبه بمكتبة.

هذه القطع الأثرية غالية الثمن، فضلاً عن قيمتها المعنوية والتاريخية، يرفض المسن اللبناني، وهو تاجر أنتيكا (القطع الأثرية القديمة)، أن يبيعها رغم كل المغريات المادّية التي عُرضت عليه.

ويرفض الشيخ سعد تماماً أي ظهور إعلامي أو إعطاء تفاصيل أكثر عن مكان وجود هذه القطع المهمة الذي يقتنيها، خوفاً من مراقبة بعض اللصوص له وسرقتها كونه تعرّض سابقاً لعدة محاولات مشابهة.

وفي حديث للأناضول، قال "رستم" وهو نجل الشيخ سعد، إن "والده رفض كثيرًا مغريات مادية كانت وكالات أجنبية ومحطات ألمانية وفرنسية قد عرضتها عليه وأتت خصيصًا إلى لبنان لتصوير وثائقيات عن تجارة الأنتيكا وتحديدًا المتعلّقة بالعهد الفرنسي والبريطاني والعثماني".

وأضاف أن والده "ليس بحاجة مادّية بتاتاً، وشغفه بالتاريخ العثماني وتقديره لتاريخ تركيا العظيم، هو ما دفعه للقبول بتصوير هذه القطع وعرضها حصراً ولأول مرة أمام وكالة الأناضول".

وعن هذه القطع وقيمتها التاريخية والمادّية وكيف وصلت إلى يد والده، أوضح رستم أنّ "والده وطوال رحلته المهنية التي بدأت في عام 1959 كان مفتونًا بالتراث العثماني، وزار تركيا مئات المرات، لكن هذه القطع وتحديداً مقتنيات عبد الحميد الثاني فهي وصلت إليه عبر تاجر سوري من حلب".

وتابع: "تعرّف هذا التاجر على والدي حينما كان في دمشق عام 1973، يومها عرض القطع على الشيخ فاشتراها منه فوراً لمعرفته بقيمتها وأنها أصلية وليست مزوّرة، وهذا طبعًا اكتشفه نتيجة تعمقّه بتاريخ الآثار وتحديدًا المدرسة العثمانية".

وعن كيفية وصول هذه القطع من تركيا إلى سوريا ثم للبنان، قال رستم إن "القطع الموجودة كانت داخل قصر يلدز الذي تحوّل إلى متحف فيما بعد يضم مقتنيات عبد الحميد الثاني، وبعد وصول مصطفى كمال أتاتورك إلى الحكم عام 1923، وإعلانه إلغاء السلطنة العثمانية، تعرضت محتويات هذا القصر للسرقة أو البيع، لا سيّما مقتنيات عبد الحميد الثاني".

وتابع: "كان الطريق الأسهل لإخراج تلك القطع من تركيا هي طريق حلب في سوريا، لتقع في منتصف لأربعينات في يد تجار يهود، وفي الخمسينات وبعد هجرتهم إلى إسرائيل وأوروبا باعوها لنظرائهم، وفي الستينات حتى السبعينات نشطت تجارة الأنتيكا، وتعرّف والدي على أحد التجار الحلبيين في دمشق، فاشتراهم منه والدي ولا يزال يحتفظ بهم منذ 45 عامًا، ولن يفرّط بهم إطلاقًا حتى ساعة وفاته".

وعن القطع التي يمتلكها والده، قال "رستم" إن "هناك خزانة يبلغ طولها نحو 3 أمتار هي هدية قدّمها أحد أولياء دمشق إلى السلطان عبد الحميد الثاني في ذكرى مولده وتظهر المباركة له على تاج الخزانة مع التمنيات بالعمر الطويل".

أمّا الخزانة الثانية -بحسب رستم- يظهر بوضوح توقيع السلطان عبد الحميد الثاني على التاج الذي يزيّن سقفها، فهي من صناعة عبد الحميد نفسه الذي كان شغوفًا بالفن اليدوي وقد وقّع خزانته بيده كما رصف بالصدف جملة "لا إله إلا الله" التي تعلو سقفها.

ويصل طول هذه الخزانة نحو 3 أمتار ونصف وهي لا تصلح للوجود إلا داخل القصور كونها تحتاج إلى أسقف عالية جداً لإظهار قيمتها الشكلية.

وأشار "رستم" إلى أن "قيمة الخزانتين لا تقلّ الواحدة منها عن الـ300 ألف دولار أمريكي، وعُرض هذا المبلغ على والدي لشراء أحدهما، لكنه رفض قائلاً ضعوا هذه الخزانة في ميزان وبوزنها أعطيني ذهبًا"، بما معناه استحالة بيعها.

أما بالنسبة إلى المكتبة الصغيرة المؤلفة من عدة أدراج، فهي مصنوعة يدويًا من الصدف ومن خشب الورد الفاخر، قيمتها المالية لا تقلّ عن المائة ألف دولار أمريكي، وهناك زبائن كثر لها خاصة من الخليج ودول بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لكن الشيخ سعد يرفض فكرة البيع ويحتفظ بها كما القطع الأخرى لنفسه، بحسب ما يقول نجله.

وعن اللوحة الزجاجية التي تضم أقدم خريطة لمدينة إسطنبول قام برسمها أشهر فناني العصر العثماني في تلك الحقبة "خلوصي أفندي" فتبلغ قيمتها المالية حوالي الـ30 ألف دولار، بحسب تقدير خبراء فرنسيين وألمان أتوا من السفارتين في لبنان، وطلبوا الحصول عليها لكن الشيخ رفض أيضًا.

وأكد "رستم" أن والده كتب في وصيته أن يتم إهداء هذه اللوحة إلى المتحف التركي بعد وفاته، وقد تواصل مع أحد المقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان -لم يسمه- وأطلعه على هذا الموضوع.

ولفت إلى أنه قد يقوم بتقديم خزانة عبد الحميد الثاني أيضاً إلى المتحف التركي كونه يرفض أن تذهب هذه القطع القيّمة والعزيزة جداً على قلبه إلى خارج تركيا.