إقرأ المزيد


​مقصرٌ أنتَ يا مديري!

المرحوم زكريا الإفرنجي (أرشيف)
بقلم / هنادي نصر الله

توقفتُ عند رحيله كثيرًا كثيرًا، نادمةً لأنني لم ألتقِه ولم أخصه يومًا بمادةٍ تلفزيونية، فقد باعوا حقه بثمنٍ بخس بعد أن هُجّر قسرًا عن قريته "زرنوقة" إحدى قرى فلسطين المحتلة عام ثمانيةٍ وأربعين، عاشَ في حي الصبرةِ أحد أحياء غزة القديمة، ولم يلتقِ أخويْه اللذين تغربا عن فلسطين، فعاشَ أحدهما في السعودية، والآخر في الكويت، حيث قضى نحبه دون أن يُلقي عليه نظرة الوداعِ في غربته، ليرحل هو أيضًا دون أن يحضنه أبناءُ أخيه الذين يقضون حياتهم في الكويت؛ أما عن شقيقه الذي أستطيع أن أقولَ عنه إنه ابن السعودية أكثر من ابن فلسطين، كونه عاش عمره فيها، فقد التقاه مرةً بعد خمسةٍ وخمسين عامًا من الفراق، على هامشِ أدائه لفريضة الحج؛ فمعلومٌ أن الفلسطينيين لا سيما أبناء غزة المحاصرة، يستثمرون زيارتهم للديار الحجازية في زيارةِ أقاربهم هناك، ممن لم تسمح لهم ظروف المعابر أو واقع النزوح وتعقيداتهم الجارحة لإنسانيتهم من اللقاء داخل غزة..!

فكم من موجوعٍ ومحرومٍ قصد مكة للقاءِ قريبٍ يسكنُ فؤاده لكنه بعيد عن عينيه وناظريه، فإن قُدرّ لبطلِ تدوينتي هذه أن يلتقي بنصفِ فؤادهِ في السعودية؛ فإنه لم يلتقِ بنصفه الآخر في الكويت؛ ليكون رحيله داخل وطنه ورحيل نصفه الآخر خارجه، أبلغ شاهدٍ على تغريبةٍ حزينةٍ يعيشها الفلسطينيون يوميًا، حيثُ تأبى إلا أن تعيدَ فصولها كل يومٍ، في نهشٍ أليمٍ للجسدِ المعذب والممزق بين الداخل المحاصر والمحتل والخارج الذي يحمل أصنافَ وألوان العذابِ بما فيه من شتاتٍ وغربةٍ وتهجيرٍ ونزوح..

إنه نبش الذاكرة التي لا تنسى، ونبش قبور أمواتٍ قضوا من زمن، وقد التحقَ بهم إخوة لهم، عانوا كثيرًا داخل وطنهم، فعاشوا في إقامةٍ جبريةٍ، لا يحقُ لهم بموجبها أن يُغادروا غزة لأن معابرها مقفلة في وجوههم، ولأن إجراءاتِ دخولهم لبعض البلدان مثل الكويت يمرُ بعراقيل مناهضة لحقوقِ العروبةِ وإنسانيةِ الفلسطيني..!

قضى بطلُ التغريبة الفلسطينيةِ في القرن الحادي والعشرين نحبه بلا أشقاء يُودعونه، بعد أن نازعَ حقه في العيش الكريم، وقاوم الأمراض والأسقام مرارًا وتكرارًا، قال"أخ" متوجعًا، قاصدًا أو متمنيًا أن يرى طيفَ أخيه يومًا، كم هو مؤسف أن يستحضرَ هو وأمثاله قوله تعالى: "سنشدُ عضدك بأخيك" ولا يحصدُ إلا الوحدة والمزيد من التضييقِ والخناق والحصار..!

مؤسفٌ آلا يجدَ من يشدَ أزره من أشقائه؛ وأن يقضي عمره متابعًا لنشرات الأخبار، علها يومًا تتحفه بنبأٍ سار عن "زرنوقة" التي تعلقَ فؤاده بها، فلم يترك لأجلها صلاة الفجر في مسجد "السوسي" القريب من بيته، لعل وعسى تكونُ تلك الصلاة وما يتخللها من نجوى ودعاء جامعة بينهما في يومٍ كم تمنى أن يأتي ولم يأتِ حتى أذن الله له بالرحيل..!

قد يقولُ البعض ما علاقة كل هذه التغريبة الحزينةِ بعنوانِ تدوينتي؟ أقول: "إن من أتحدثَ عنه هو والدُ مديري في العمل الإعلامي الأستاذ الصحفي عماد الإفرنجي، الذي نسي وجعَ أبيه في خضمِ متابعاته لأوجاعِ أبناء بلده، فلم يبح لنا يومًا عن الآلام التي يعيشها والده أو التي يحياها هو معه، فأن يعيشَ حالمًا باليوم الذي يجتمعُ فيه أعمامه مع أبيه أمرٌ مؤرق ومؤلم".

أدركتُ أكثر من خلال معايشتي لرحيلِ والده قبل أيام، كم أن الإعلامي في بلدي مضطهدٌ هو وعائلته، ليس فقط من ناحيةِ الحريات وحقه في أن يمارس عمله بلا منغصاتٍ في ظل الاحتلال الإسرائيلي، بل أيضًا في حقه المسلوب كإنسان له الحق في رؤيةِ أهله بلا حواجز الترحيلِ والشتات والنزوح والغربة، أدركتُ كم صدق المثل الشعبي القائل: "ما حك جلدك مثل ظفرك"، وبينما أتهم مديري بالتقصير في حق نفسه من ناحيةِ إبراز وجعه كإنسانٍ هُجرتْ عائلته قسرًا عن مسقطِ رأسها في "زرنوقة" فتفرقتْ على إثر ذلك أوراقها بين السعودية والكويت وغزة؛ فإنني أعذره لأنَنا جميعًا كإعلاميين ننأى بأنفسنا أحيانًا عن ذكرِ مآسينا؛ من باب درءِ تهمةِ الأنانية وحب الذات، ومن بابِ أننا جميعًا في الألم سواء، ومن باب أيضًا ما استحق أن يُولد من عاشَ لنفسه قط..!

تفتحُ هذه التدوينة أيضًا الجرح كبيرًا لأقول: "الحرية لكلِ عائلةٍ تشتاقُ للم شملها، "والحرية لعائلةِ من طالب ويطالب دومًا "بحقوق الإعلاميين الفلسطينيين"، أرى الأولى اليوم أن نطالبَ بحقِ عائلتك مديري العزيز في اللقاء مع من تبقى لها من أهلٍ في الخارج.