​منذ مدريد.. كيف أضاعت سياسات السلطة الضفة الغربية؟

مستوطنة بسجات زئيف (أ ف ب)
غزة - يحيى اليعقوبي

كيف ضاعت جغرافيا الضفة الغربية؟ وكيف تاهت ملامحها؟ سؤال يرى محللون سياسيون أن الإجابة عليه تقتضي استحضار المسار السياسي للسلطة الفلسطينية منذ مؤتمر مدريد وحتى يومنا هذا، إذا ما علمنا أن الضفة الغربية التي تفترض الاتفاقيات بأنها فلسطينية خالصة باتت مختلطة الهوية بوجود أكثر من 620 ألف مستوطن.

يقول المحلل السياسي فرحان علقم، إن مؤتمر مدريد شكل الخطوة الأولى لسقوط السياسات الفلسطينية الرسمية واستغلها الاحتلال الاسرائيلي لفرض أجندته، ويضع مسلسل تذويب القضية الفلسطينية، وفصل أجزائها جزءًا بعد آخر، بفصل الثوابت (القدس، الأسرى، اللاجئين) عن بعضها.

وانعقد المؤتمر في العاصمة الإسبانية مدريد في الفترة من 30 أكتوبر/تشرين الأول عام 1991، ورعته الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقاً سعيا لإقامة تسوية دائمة بين الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي.

ويقول علقم لصحيفة "فلسطين": "الرؤية الإسرائيلية شملت ما يعرف بقضية عزل غزة عن الضفة، وحصر القضية بجزيئات لا ترتقي إلى أدنى مستوى الثوابت، حتى دون بحث موضوع الحل النهائي".

واشترطت السلطة-والكلام لعلقم-العودة إلى المفاوضات مع الاحتلال بتجميد الاستيطان وليس إخلاء أو تفكيك المستوطنات الإسرائيلية، أو إنهاء هذا المشروع التهويدي، موضحا، أنه من هنا اختزلت القضية بموضوع المطالبة بتجميد الاستيطان وإبقاء الكتل مكانها بانتظار الحل النهائي.

وأشار المحلل السياسي، إلى مشاريع العزل الجغرافي "الكنتونات"، من خلال فصل شمال الضفة عن جنوبها، وشرقها عن غربها.

وأوضح أن تبني رئيس السلطة محمود عباس لخيار المقاومة السلمية "وفق أسلوب فعاليات ونوعيات مشاركين محدد تتفق ونهجه، وسحب أسلحة المقاومة عام 2008م وخاصة كتائب شهداء الأقصى مع ضمان عدم ملاحقتهم من قبل الاحتلال، منوهاً إلى أن الأخير لم يلتزم بذلك واعتقل الكثير منهم بعد إلقاء سلاحهم، "مما مثل منعطفا سلبياً أثر على النضال الفلسطيني لصالح الاحتلال، رغم أن المواثيق الدولية تكفل للشعوب المحتلة تقرير مصيرها بكافة الوسائل".

ومنذ توقيع اتفاقية أوسلو في سبتمبر/ أيلول عام 1993 ارتفع عدد المواقع العسكرية والاستيطانية بالضفة المحتلة إلى 570 موقعا ومستوطنة، ووصول عدد المستوطنين إلى 620 ألف مستوطن، بحسب مصادر رسمية.

وتقدر جهات فلسطينية عدد الحواجز على امتداد مدن وشوارع الضفة 361 حاجزاً عسكرياً متنقلاً، و96 حاجزاً ثابتاً.

إجراءات على الأرض

وأمام ذلك، يعتقد المحلل السياسي د.عبد الستار قاسم، أن غياب الإرادة لدى السلطة وحركة فتح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وصولا للتحرير، ترك الاحتلال يصنع ما يشاء بالضفة الغربية.

ويقول قاسم لصحيفة "فلسطين": "نرى تهويد الضفة على قدم وساق، في ظل ازدياد كبير في عدد المستوطنات والوحدات الاستيطانية بالضفة".

كما وضعت السلطة تشريعات فلسطينية تحد من قدرة الفلسطينيين على استثمار أراضيهم، من خلال فرض رسوم مالية باهظة تحول دون إمكانية المواطنين الفلسطينيين بالحصول على طابو أرض، كما أشار قاسم.

وأوضح أن من الأمور التي ساهمت بضياع الضفة هي "خارطة المكان"، بقيام السلطة بتصنيف الكثير من الأراضي الجبلية على أنها مناطق زراعية، ومنع أي مواطن لا يملك خمس دونمات من البناء في أي من المناطق الجبيلة.

وقال "ليس هنا المشكلة فحسب، إذ يبين أن السلطة لم تصنف الأراضي السهلية على أنها أراض زراعية، بالتالي أصبح المواطنون يعمرون بالمناطق السهلية وترك المناطق الجبلية، الأمر الذي أتاح للاحتلال السيطرة على المناطق الجبلية والوعرة، ومصادرتها تدريجيا".

وأكد قاسم، أن من يبحث عن إقامة دولة، يشجع الانتاج، معتقدا أن الاحتلال الإسرائيلي يقف وراء التحكم في كيفية إفراز الأرض.

ودلل على ذلك، أن السلطة تفرض على المواطنين دفع 3% من ثمن الأرض لسلطة الأراضي، وتعمل على تقييم سعر الأرض بأعلى من سعرها الحقيقي من أجل تحصيل الأموال من المواطنين، ومنعهم من فرز أراضيهم.

وهكذا هيأت سياسات السلطة الظروف والبيئة-والقول لقاسم-للتمدد الاستيطاني، مؤكدا أنه كان بإمكانها تشجيع الشعب الفلسطيني على التمدد السكاني أفقياً.

ويرى أستاذ العلوم السياسية، أن الجانب الأمني الذي تضمنته اتفاقية أوسلو، والذي جعل السلطة "بوليسا أمنيا" لحماية الاحتلال، بملاحقة كل من يتعرض للمستوطنين أو يفكر بإلقاء الحجارة على جيش الاحتلال.

يذكر أن السلطة تبسط سيادتها الأمنية والمدنية الكاملة على 18% من مجمل مساحة الضفة، وتعرف بمناطق "أ"، حسب اتفاق أوسلو، بينما تتمتع بالسيادة المدنية فقط على 21%، وتعرف بمناطق "ب"، ويسيطر الاحتلال بالكامل على 61% من أراضي الضفة، والتي تشمل المستوطنات، وتعرف بمناطق "ج".