أسير محرر مبعد إلى غزة

منذ 30 عامًا.. "الجعبة" لم يجتمع مع عائلته على مائدة رمضان

غزة/ يحيى اليعقوبي:

خلف قضبان السجن قيده حكم "مدى الحياة" وعزله عن العالم، عاش 29 سنة خلف تلك القضبان الإسرائيلية التي تعج بـ"المنسيين" مثله مغيبًا عن الحياة، يتوق إلى الحرية، أن تلمس جسده خيوط شمس الصباح، والاجتماع بعائلته، دخله فتى صغيرًا لكنه أكل من عمره، اشتاق إلى جبال الخليل، وأشجارها، وجمالها، منذ أن غيبه الاحتلال في سجونه بتاريخ نيسان (أبريل) 1995م، حينما اعتقله وأصدر حكمًا مؤبدًا بحقه، إنه الأسير المحرر ماجد الجعبة.

قبل الحكم اعتقل مدة 13 سنة متفرقة، وهو من مبعدي مرج الزهور، وبعد الاعتقال الأخير مكث 16 عامًا متصلة خلف تلك القضبان التيسرقت من عمره ما سرقت، لم يسمع أو ير إلا دمعات الأسرى وحنينهم إلى الحرية، مكث 105 أيام في التحقيق، كل ثلاثة أشهر كان ينقل من سجن إلى آخر، حتى في السجن لم ينعم بالاستقرار.

دخل السجون وطفله "زيد" لم يتجاوز العامين، وزوجته حامل بجنين لم يره، ولدت زوجته طفله الثاني "طارق" بعد عدة شهور من اعتقاله، مرت السنوات، وكانت عائلته تحصل بصعوبة على تصريح زيارة، والرفض دائمًا "بدواع أمنية"، حتى أفرج عنه في صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011م وأبعد إلى قطاع غزة.

"حينما تحررت جاءت عائلتي لزيارتي بغزة؛ مكثوا مدة شهرين، كان شعور الفرحة ممزوجًا بالألم، فرحت لأنني رأيتهم بعد مرور كل هذه السنوات، والحسرة كانت لأنهم كبروا ونشؤوا ولم أربهم (..) ترك ذلك غصة في قلبي طوال العمر" بهذا بدأ الأسير الجعبة حديثه لصحيفة "فلسطين".

وبعد شهرين عادت عائلته إلى الخليل على أمل أن تعود في مرات ومرات إلى غزة، لكن المأساة تكررت لأن الاحتلال منعهم من زيارة والدهم للدواعي "الأمنية" نفسها، فحاول التكيف مع وضع إبعاده إلى غزة، التي تعجب من صمود أهلها، مضيفًا: "هذا الصمود عجيب كالجبال لم أتوقع أن يكون أهل غزة بهذا الصمود، الناس تقصف وتقتل وهم صابرون ثابتون يتمسكون بالمقاومة".

ظل الحنين يطارد قلب الجعبة، تزور وجدانه ذكرياته في مدينة الخليل كل يوم، لا يخفي شعور الغربة قائلاً والحزن يختبئ خلف ثنايا كلماته: "كل فلسطين هي بلادنا، لكن الإنسان يحن لموطنه، حيث ولد ونشأ وترعرع، أحن لشوارع وأزقة الخليل، ولأهلي وإخوتي الذين لم أرهم؛ لكن هذه حياتنا، علينا أن نتكيف معها كما تكيفنا مع ظروف السجن وزنازين العزل الانفرادي التي عشت فيها ثلاث سنوات".

لم تبرد المحادثات التي يجريها مع أولاده وأولاد إخوته على مواقع التواصل الاجتماعي نار شوقه، لم تعوض لحظة حضن واحدة لأحبته، يقول: "أكثر شيء مؤثر أن ترى ابنك يتزوج وينجب أحفادك، وأنت تتمنى احتضانه، تراهم أمامك، تحتضنهم، وتداعبهم، هذا شعور لا يشعر به إلا من يعيشه".

يقف أمامه في كل محادثة "فيديو" يجريها مع عائلته نحو 15 فردًا من أبناء إخوته وأخواته فقط، معظمهم لا يعرفونه ولا يعرفهم، ما زال يجهل أسماء بعضهم، ووجوههم لم يحفظها بعد.

منذ عام 1989م حينما بدأت رحلة المطاردة والأسر حرم الجعبة الاجتماع على مائدة طعام واحدة في شهر رمضان مع أبنائه وزوجته، يحن إلى لقاء واحد مع والده الذي تجاوز من عمره (84) عامًا ووالدته السبعينية، كما يتجمع باقي أفراد العالم؛ يتناول طعام الإفطار معهم، والسحور، ويجلس تحت النجوم المتلألئة في ليلة سمر عائلية، كي يعوض أحفاده دفء الطفولة التي حرم الاحتلال منها ابنيه لحظة اعتقاله، لكن كلها ما زالت أحلام يتمنى الجعبة أن تتحقق.