إقرأ المزيد


​من وحي الوثيقة والميثاق

حسام الدجني
أربعاء ٠٣ ٠٥ / ٢٠١٧

أصدرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وثيقة سياسية تعرض فيها مبادئها ومنطلقاتها الفكرية والأيديولوجية، التي تستند إليها في تكوين رؤيتها، وبناء خطابها، وتحديد سلوكها وأدائها السياسي.

وهذا يدفعنا إلى طرح تساؤلات هامة: ما الجديد في الوثيقة السياسية (2017م) مقارنة بالميثاق (1988م)؟، وما مدى قدرة الحركة بوثيقتها السياسية على إحداث اختراق محلي وإقليمي ودولي (المأمول من الوثيقة السياسية)؟

أولًا: ميثاق ووثيقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)

كُتِب ميثاق حركة حماس في عام 1988م، وكتبه أحد القيادات المؤسسة للحركة، وهو الشيخ عبد الفتاح دخان، وهو ناتج عن جهد بشري لا يتمتع بصفة القداسة، وقد يصلح في ذاك الزمان، ولكنه لا يصلح لأزمنة أخرى، وهو ما باتت تدركه حركة حماس، وتحديدًا بعد أن أصبحت من كبرى الحركات السياسية في فلسطين، ونجحت في الانتخابات البلدية عام 2005م، والتشريعية عام 2006م، وتقود برنامج المقاومة، وأدارت الحكم والحكومة، وسط عدم قبول أطراف عديدة من المجتمع الدولي حركة حماس وحكومتها، وهو ما انعكس على أدائها وإدارتها للشأن العام.

بات من الضروري تجديد الفكر السياسي لحركة حماس، فالحركة التي أبدعت في ميدان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لا يجوز أن يبقى محاكمة فكرها السياسي من خلال ميثاقها الذي كُتِب في عام 1988م، فكان لابد أن تُبدع في تجديد فكرها السياسي، لسد الذرائع أمام الكيان العبري وحلفائه، الذين يتسلحون بالميثاق وثيقة لشيطنة حماس ومقاومتها ونعتهما بالإرهاب.

وسوف أسرد بعض ما جاء بميثاق حركة حماس، وهي مواد بحاجة لمراجعة، والوثيقة السياسية قد عالجتها واستدركتها بعد مسيرة طويلة من تطور الفكر السياسي لحركة حماس.

ما يأخذه بعض على الميثاق أنه يحمل الصبغة الدينية، إذ يسجل خصوم حماس عليها أنها تستهدف المرأة المسلمة وتتجاهل غير المسلمة، وهي شريكة بالنضال وبالوطن، ومع صحة النقد للميثاق باتت إعادة النظر في نصوص هذا الميثاق مطلبًا، ليس لخصوم حماس بل لبعض قياداتها، فقد عالجت الوثيقة ذلك وأكدت مكانة المرأة الفلسطينية.

وهناك قضايا بالغة الأهمية تناولها الميثاق واستدركتها الوثيقة السياسية على النحو التالي:

  • الميثاق تحدث عن أن العداء لليهود، لكن استدركت الوثيقة ذلك بأن العداء للاحتلال الصهيوني.
  • الميثاق وضع شرطًا لدخول حماس إلى منظمة التحرير، وهو تبني منظمة التحرير الإسلام منهج حياة، لكن الوثيقة لم تضع شروطًا، وأكدت أن (م. ت. ف) إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية، وهذا يساهم في دمج حماس في منظمة التحرير الفلسطينية.
  • الميثاق حسم بشكل مطلق بأن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يمكن التنازل عن شبر منها، أما الوثيقة فأكدت الحق التاريخي في فلسطين إذ تضمنت النص التالي: "لا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال، وترفض حماس أي بديل عن تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا، من نهرها إلى بحرها، وإن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967م، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها هي صيغة توافقية وطنية مشتركة، ولا تعني إطلاقًا الاعتراف بالكيان الصهيوني، كما لا تعني التنازل عن أي حق من الحقوق الفلسطينية"، وهو ما يدعم التوافق الفلسطيني المقر بوثيقة الوفاق الوطني عام 2006م.
  • حدد الميثاق هوية حماس بأنها أحد أجنحة جماعة "الإخوان المسلمون"، أما الوثيقة فنأت بحماس عن أي ارتباط بجماعة الإخوان.

ثانيًا: مدى قدرة الوثيقة على إحداث اختراق في المشهد المحلي والإقليمي والدولي.

ثلاث دوائر تستهدفها الوثيقة، وهي الدائرة الفلسطينية والإقليمية والدولية.

  • الدائرة الفلسطينية: سينقسم موقف الفصائل من الوثيقة ما بين مؤيد وداعم، وما بين مشكك وحذر، حركة فتح سترى الوثيقة تهديدًا لوحدانية تمثيلها السياسي في الداخل والخارج، كونها قد تساهم في رفع حماس من قوائم الإرهاب عند بعض الدول الغربية، وستبدأ فتح إستراتيجية المواجهة الإعلامية التي توظف الوثيقة في خدمة رؤية فتح السياسية وبرنامجها السياسي، أما باقي الفصائل فقد تتباين رؤيتها بين المرحب والداعم لتلك الرؤية والمعارض لها.
  • الدائرة الإقليمية: أعتقد أن الوثيقة موجهة بالدرجة الأولى نحو الإقليم والمجتمع الدولي، فعلى صعيد العلاقة مع دول الرباعية العربية (مصر، والسعودية، والأردن، والإمارات) توتر العلاقة في معظمه مرتبط بارتباط حماس التنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين، والوثيقة فكت الارتباط بالجماعة، وهذا سيساهم ويحدث اختراقًا في العلاقة مع الدول العربية بوجه عام والرباعية بوجه خاص، أضف إلى ذلك أن علاقة حركة حماس مع إيران وتركيا علاقة مميزة، وذلك سيمنح حماس فضاء أرحب للمناورة السياسية في الإقليم المشتعل.
  • الدائرة الدولية: المجتمع الدولي ليس قالبًا واحدًا، ومواقف الدول متباينة تجاه حركة حماس، وهذه الوثيقة قد تحدث اختراقًا قانونيًّا وسياسيًّا لدى الاتحاد الاوروبي ودول أخرى تصنف حماس بالمنظمة الإرهابية، أما الولايات المتحدة فموقفها سيكون مرتبطًا بموقف الكيان العبري، وعندما تدرك الإدارة الأمريكية أن حماس جزء من الحل لا المشكلة ربما تساهم الوثيقة في تمرير احتواء حماس سياسيًّا، وقبولها مكونًا سياسيًّا مهمًّا في النظام السياسي الفلسطيني.

خامسًا: حماس بعد الوثيقة

ما ينتظره العالم من حماس بعد الوثيقة أن تترجم الأقوال إلى أفعال والنظرية مع التطبيق، وأن تبدأ الحركة سياسة جديدة تؤهلها للتنافس على قيادة المشروع الوطني، على قاعدة الشراكة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وهذا يتطلب تعزيز الثقافة المدنية، وسيادة دولة القانون، وتبني خطاب إعلامي متزن يخدم القضية المركزية أمام الرأي العام الغربي للوصول إلى عزل الكيان العبري سياسيًّا، ودفعه إلى قبول مطالب شعبنا المشروعة التي كفلها القانون الدولي.

مواضيع متعلقة: