من علامة واحدة تعرّفت حنان على زوجها "أستاذ الفقراء"

غزة/ يحيى اليعقوبي:

ارتجف قلبها مع صوت رنين الهاتف وما صاحبه من رجات متعددة، وكأنّ زلزال أصاب قلبها حينما ردت على المكالمة الهاتفية وبدأ حديث المتصل: "قصفوا برج "زعرب" .. هناك زوجك؟"، اجتاح الخوف تفكيرها، في زحمة الاحتمالات والتساؤلات، مع التوتر انشغلت به كافة أعضائها، صاحبه غليان درجة الاضطراب؛ اتصلت بهاتف زوجها فكان الهاتف خارج التغطية، رغم أنها تحدثت معه قبل نصف ساعة، أصبحت في حيرة من أمرها ترسم بعضًا من علامات الاستفهام والتعجب تتردد في وضع نقطة في نهاية التفكير خشية أن تكون هي نقطة الفراق والوداع.

البداية الخامس من مايو/ أيار 2019م، طائرات الاحتلال الإسرائيلي تواصل قصفها لمناطق مختلفة في قطاع غزة، في موجةعدوان جديد، خرج أستاذ اللغة الانجليزية علي عبد الجواد (51 عامًا) من منزله متوجهًا كعادته لمؤسسته التعليمية المختصة في تدريس طلبة الثانوية العامة واسمها مؤسسة الأوائل.

مع تواصل القصف يصارع عبد الجواد الوقت لإنهاء الدروس لكل طالب والإذن له بالانصراف خوفًا من أجواء التصعيد، حتى بقيت آخر طالبة وكان يحدثها عن تفاني زوجته التي تعمل مشرفة تربوية، حدثها عن حبه لابنته الصغرى حنين، ومذاق الشاي الذي كانت تعده له، حدثها عن فرحته بتفوق ابنه محمد بالثانوية العامة الذي تخصص فيما بعد بـ"الهندسة".

بعدما غادرت الطالبة، اتصلت به زوجته تخبره أن طعام الغداء جاهزا: "هيني باستناك نتغدى مع بعض" فأخبرها أن تمهله نصف ساعة وسيعود للبيت الساعة الخامسة والنصف، وقبل أن يخرج من مؤسسة حدث انفجار كبير دون سابق انذار، قصف المبنى الذي كان يتواجد بداخله، بعدها بدقائق تلقت زوجته المكالمة الهاتفية السابقة، ومعها ارتدت ثيابها لتخرج من البيت وترى أناس يتجمهرون أمامه وكأنها آخر من يعلم بما يجري، ذهبت للمبنى فلم تجده.

مجهول الهوية

يمر الوقت بطيئًا على قلبها، استقلت سيارة ذاهبة إلى مستشفى أبو يوسف النجار، هناك كان الجميع يتحدث عن ثلاثة شهداء خرجوا من تلك البناية، أحدهم مجهول الهوية، للوهلة الأولى لم يستطع قلبها تصديق أنه رحل نظرت للجثة التي تغير شكلها، قالت للشرطي: "لا ليس زوجي"، طلب منها التمعن بالجثة وبملابسه، حتى وقعت عينها على قطعة قماش صغيرة من ملابسه المحترقة والتي قامت بكيها بنفسها صباح اليوم، فانفجر قلبها وهز صوتها المكان" لااااا..." وغابت عن الوعي، تهاوت بين الأحزان.

المشهد السابق روته زوجته حنان موسى العبد ريان ( 49 عامًا) والتي تعمل مشرفة تربوية في حديثها مع صحيفة "فلسطين"، ولا يزال جرح الفراق ينزف من قلب زوجته برحيله "فقدت شيئًا كثيرًا وكأن قلبي توقف عن النبض"، يحوم طيفه حولها كل يوم، تصف حبه للتدريس: "كان مبدعًا ومتجددا في إعداد الملازم الإثرائية لطلبة التوجيهي (..) دائما تأتي 90% من امتحان اللغة الانجليزية من توقعات الأستاذ علي".

"باستشهاد الأستاذ علي، الانجليزي برفح ضرب" بهذا صارحها وفد من مشرفي وزارة التربية والتعليم الذي جاء لزيارتها معزيًا، وزاد أحد المشرفين متحدثا عن زوجها: "نحن لم نكن نفتش عليه، بل كنا نتعلم منه"، تضيف هذه الزوجة المكتوية بنار فراق أضرمه الاحتلال في قلبها: "أتدرون؛ كان أوائل فلسطين، ومن أعلى الطبقات الاجتماعية يأتون ليدرسهم زوجي، مع ذلك كانت الكثير من دروسه الخاصة شبه مجانية، ويرفض تسجيل طلابه بالمدرسة بالدروس الخصوصية، وكان يقول لهم: "ما أعطيه بالمدرسة أعطيه بالمؤسسة".

كرس الأستاذ عبد الجواد وقته وحياته لتدريس طلبة التوجيهي، ملازمه التي كان يعدها شاهدة على ذلك، لا يكل ولا يمل وهو يقضي جل وقته في تدريس الطلبة ومساعدتهم.

عام 1989 حصلت زوجته على الترتيب الثامن على قطاع غزة في "الفرع الأدبي" فدرست بجامعة "الزقازيق" بمصر وتفوقت على دفعتها على مدار السنوات الأربع، فيما درس زوجها لغة انجليزية بجامعة "المنصورة" بمصر.

حينما أنهى الاثنان البكالوريوس عملا في السلك التعليمي بعد زواجهما، توظف عبد الجواد مدرسا في "مدرسة بئر السبع" الثانوية بمحافظة رفح، وظل يعمل فيها حتى استشهاده رافضًا عروض ترقية كثيرة، حتى اشتهر اسمه بين أوساط طلبة "التوجيهي".

ورغم عمله منذ نحو (27 عامًا) في التدريس إلا أن عبد الجواد كان يعيش في منزل لا تزيد مساحته عن 80 مترًا "كان يفرغ وقته لتدريس الطلبة، ولا يهتم بتحصيل الأجرة منهم، وحتى لا يطلبها هو وكان يسامح الكثيرين وإنساني من الدرجة الأولى (..) ربما بعض المدرسين في وضعه بنو قصورا" تعلق أرملته.

ولادة روح

في غزة لطالما يجتمع الحزن والفرح في آن واحد، قبل يومين وضعت ابنة اخته الوحيدة لأمها وتدعى "رانيا" مولودها، قبل استشهاده تعهد خالها الأستاذ بترك الدروس وأن يقف بجوارها لحظة ولادتها، لكن الصاروخ الإسرائيلي كان أقرب وخطف روحه هو قبل أن تولد روح جديدة، تعلق زوجته: "كان الموقف مبكيًا للجميع لعدم وجوده بيننا خاصة أنه تمنى هذه اللحظة".

رمضان الأول بدون زوجها ليس له طعم – كما الحياة – بالنسبة لها، لا تخفي ما تشعر به من جرح: "أصعب شيء على قلبي غيابه عنا، إلى الآن لا أصدق أنه رحل واستشهد، يحترق قلبي كل يوم على مائد الإفطار، افتقد حديثه وابتسامته وضحكته على الطعام، دخوله علينا كلماته التي كان يتميز بها، فكانت له طقوسًا جميلة معنا في رمضان".

وإن رحل زوجها بقيت مواقفه وذكرياته الجميلة تذكر زوجته وأبنائه محمد وأحمد وعبد الله والطبيبة حنين وريم بوالدهم، تتسلل إلى أحاديثهم، تذكرهم به، مع إشراق كل يوم لا زالت تخطئ زوجته حينما تفتح خزانته وتهم في إخراج ملابسه لكيه كي يلبسها أنيقة، سرعان ما تتركها وتخرج من حلمها حينما تقع عينها على صورته مكتوب فيها "الشهيد الأستاذ علي عبد الجواد"، رحل عبد الجواد أثناء قيامه بواجبه المدرسي ولا زالت محبته للناس تحيي روحه حتى الآن أدى 13 شخصًا عمرة عن روحه.