​عملية الخليل.. الأسباب والرسائل

د. أيمن أبو ناهية
الجمعة ١٦ ٠٨ / ٢٠١٩

بعدما وصلت قضيتنا الفلسطينية إلى مفترق طرق صعب وخطير، وباتت تمر في مرحلة خطرة لم تشهدها في السابق، إلا أن المتتبع للمشهد الفلسطيني يرى بأنه بات ضبابيا، لا سيما في ظل استمرار حصار مالي أمريكي إسرائيلي, فكل ما بتضيق بتفرج, فرغم الحصار المالي المفروض على الفلسطينيين، هذا ينذر ربما بانتفاضة ثالثة قادمة ستحرق اليابس والأخضر، لا سيما ما يرى من محاولات متكررة للمستوطنين باقتحام الأقصى يوميا، وهذا يستفز الفلسطينيين، ومن هنا فإن المرحلة القادمة تبدو صعبة، وبتنا نقترب من مفترق صعب لقضيتنا الفلسطينية في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة، التي تطالب بضم الضفة الغربية، ومن هنا فإن المرحلة القادمة تبدو أصعب، ويمكن أن تندلع انتفاضة ثالثة رفضا لسياسة الاحتلال، التي تريد تهجير شعبنا من أراضيه، في ظل استمرار الاحتلال في قضم الأراضي الفلسطينية لبناء وتوسيع المستوطنات.

وتعتبر عملية الخليل الأسبوع الماضي التي أسفرت عن طعن مستوطن بالقرب من مستوطنة "غوش عتصيون"، وما تداوله الإعلام العبري، فإن خلية منظمة أرادت أَسر جندي إسرائيلي للضغط على الاحتلال في ملف الأسرى؛ لكن العملية تعقدت، فجرى طعن الجندي وأُلقي به على الطريق. ويمكن قراءة العملية من غير زاوية، ووضعها في أكثر من سياق، فهي وإن كانت تهدف أساساً إلى التأثير في ملف الأسرى، إلا أنها لا يمكن قراءتها بمعزل عن تطورات الاعتداءات الإسرائيلية في القدس والأقصى، أو التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية عموماً، خصوصاً لجهة "صفقة القرن" وتفاصيلها.

وقراءة للعملية إنها ليست وليدة اللحظة بل الأرجح أنها كانت في إطار التخطيط منذ مدة بانتظار الظروف المناسبة لتنفيذها. ووفق قناة "كان" العبرية، فإن تقديرات جيش الاحتلال تفيد أن العملية لم تكن صدفة، وقد خطّط منفذوها جيداً لتنفيذها. لكن في السياقات، جاءت عملية "غوش عتصيون" في وقت يتعنت فيه الاحتلال في ملف الأسرى وصفقة التبادل، ويصعد من وتيرة استهدافهم في المعتقلات، إن على صعيد اقتحام السجون أو عزل الأسرى، ومنع العلاج عنهم، وغير ذلك من الممارسات. وقد اقتحمت قوات الاحتلال منذ بضعة أيام معتقل عوفر، واعتدت على الأسرى، وأطلقت قنابل الغاز داخل الغرف، وهي سياسة تتكرر في عوفر وغيره من المعتقلات.

بل إن العملية تتزامن عمليا مع زيارة التحدي لنتنياهو الأخيرة للمستوطنات المقامة في رام الله وإعطائه الضوء الاخضر لمواصلة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، الذي كان من آخر تجلّياته مجزرة الهدم التي نفذها الاحتلال في 22/7/2019 في وادي الحمص بصور باهر، والاعتداءات على العيسوية المستمرة منذ منتصف حزيران/يونيو الماضي، إضافة إلى المصادقة على بناء 2300 وحدة استيطانية جديدة في الضفة. وعلاوة على ذلك، أتت العملية في ظل ذروة أخرى من مسلسل استهداف المسجد الأقصى، وقبل أيام من عيد الأضحى الذي استبقه المستوطنون بدعوات إلى اقتحام الأقصى فيه احتفالاً بـ"ذكرى خراب المعبد"، وبمطالبة وجهتها "منظمات المعبد" إلى شرطة الاحتلال بتأجيل صلاة الأضحى إلى ثاني أيام العيد، وإغلاق المسجد في وجه المسلمين ليتسنَّى للمستوطنين اقتحامه نظراً إلى أنّ "المسلمين لديهم أيام أخرى يحتفلون فيها بالأضحى، بينما ذكرى خراب المعبد تأتي في يومٍ واحدٍ فقط". يضاف إلى ذلك رسالة وجهتها هذه المنظمات إلى رئيس حكومة الاحتلال تطالب فيها بزيادة ساعات الاقتحام المتاحة للمستوطنين.

أهم رسالة حملتها عملية الخليل "غوش عتصيون"، بأنها تعبير عن تمسك الإرادة الشعبية بالمقاومة في مواجهة صفقة القرن، ومخططات تصفية القضية الفلسطينية التي تتشارك فيها الولايات المتحدة والأنظمة السائرة في ركبها. وقد تجلّت بوضوح مع إعلان ترامب القدس عاصمة لكيان الاحتلال، وهي تسير اليوم في طريق إنهاء حق العودة عبر المساعي الواضحة إلى إنهاء عمل الأونروا بذريعة الفساد في المنظمة.

رسالة ثانية أرسلتها أن الاحتلال لا يستطيع منع تنفيذ العمليات ضده، وهو لا يستطيع تحصين أمنه بالكامل. فمنذ انتفاضة القدس التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2015، كثفت سلطات الاحتلال وتيرة الإجراءات التي تستهدف العمل المقاوم والفلسطينيين المشاركين فيه، واتخذت سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى منع تنفيذ العمليات، كزيادة الحواجز وحملات الدهم والتفتيش والاعتقالات، ومحاولة التعرف على منفذي العمليات المحتملين عبر متابعة نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى العقوبات التي فرضتها على منفذي العمليات وعائلاتهم من هدم منازلهم، وتشريد أهلها، والأحكام العالية بالسجن في حال لم يستشهد منفذ العملية، واحتجاز جثامين الشهداء، وغير ذلك.

الرسالة الأخيرة أنها أعادت التأكيد أن الفلسطينيين لم يستسلموا لسياسات الاحتلال الهادفة إلى ردعهم أو معاقبتهم، وقتل إرادة المقاومة لديهم، وتخويفهم من أن تبعات العمل المقاوم ستكون أكبر من نتيجته. لقد فشل الاحتلال في ترسيخ هذه المعادلة لدى الفلسطينيين الذين لا يزالون يدركون أن ما لم يحرر بالمقاومة يحرر بالمزيد من المقاومة، وليس بالرضوخ للاحتلال وشروطه، وقواعده.