"مخيم اليرموك".. حجارة تبكي الموروث الوطني المدمر واللاجئ المهجر

دمشق– غزة/ يحيى اليعقوبي:

"قعدنا بالمخيم قلنا نصبر؛ لكن شو بدك تساوي صاروخ ورا صاروخ وهاون ورا هاون"، بهذه الكلمات يصف اللاجئ الفلسطيني أحمد سخنيني حال مخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق، جراء الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام السوري لاستعادة السيطرة على المخيم من تنظيم الدولة والمعارضة السورية المسلحة.

"سخنيني" واحد من بضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين لم يغادروا المخيم المدمر حتى آخر اللحظات قبل السيطرة عليه من قبل النظام السوري، يوم الأحد الماضي.

ويقول "سخنيني" لصحيفة "فلسطين": "لم يعد هناك شيء اسمه مخيم اليرموك، لم يبق شيء للفلسطينيين فيه سوى الدمار الشامل، استطعت المغادرة بواسطة سيارة اسعاف إلى إدلب (شمال سورية) كي أتلقى العلاج".

"ماذا أقول!؟ كانت الناس ملقاة في الشوارع، وتحت الردم"، يصف المشهد الذي سيبقى يصفه كثيرا، ثم يتابع: "كان المشهد قاسيا، الصواريخ تتساقط علينا وقذائف الهاون، بالإضافة للغازات، كنا نرى الناس أمام عيوننا يستغيثون ولا يوجد أحد يساعدهم، نسمع أصواتهم تحت الأنقاض وفي الأقبية".

ويضيف "سخنيني": "خرجت لتفقد الوضع في المخيم، لكن قذيفة هاون سقطت بجانبي، وأصبت على إثرها، وقبل يومين فقط استطعت الخروج لتلقي العلاج إلى مخيم "دير بلوط" في ريف إدلب".

صواريخ بالدقيقة

أما اللاجئ الفلسطيني أبو القاسم فيقول لصحيفة "فلسطين"، إن قرابة50 صاروخا من مختلف أنواع الصواريخ كانت تسقط على المخيم في الدقيقة الواحدة خلال الأيام الأولى للحملة العسكرية، مشيرًا إلى أن القصف تسبب بموت الكثيرين أسفل أنقاض منازلهم.

ويضيف أبو القاسم: "كانت الطائرات الروسية تطلق صواريخ فراغية لأول مرة نراها تفتت الأبنية بالكامل، وكان التدمير ممنهجا يستهدف كل حارة ويبدأ بكل بناية فيها، ثم ينتقلون إلى تدمير حارة أخرى".

ويتابع: "كانت الجثث في الشوارع، حتى أفراد تنظيم "داعش" لم يسمحوا للدفاع المدني أو المؤسسات الاغاثية ومؤسسات حقوق الإنسان بالدخول للمخيم، كان الناس يستغيثون ولا أحد يستطيع التوقف لمساعدتهم، لأن المسافة بين الصاروخ والآخر برهة ولحظة".

ويشير إلى أن طائرات الاستطلاع المنتشرة فوق سماء المخيم هي الأخرى كانت تستهدف أي جسم متحرك.

ويؤكد أبو القاسم أن "القصف كان يستهدف التواجد المدني، "داعش" لم يمت منهم أحد، بالنسبة لمن قتل كلهم مدنيين فلسطينيين، حتى في آخر الحملة حينما انتشر النظام على حاجز اليرموك مع بلدة "يلدا" فمن حاول الخروج كان إما يعتقل من النظام أو يتم قنصه أو قتله من داعش .. كانت مآسي تدمي القلوب".

وكان المخيم أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، ومنطقة عامرة بالسكان وكافة الخدمات، ويقطن بداخله 160 ألف شخص، بينهم الكثير من السوريين، لكن الحرب والقصف -اللذين لم يستثنيا المخيم- حوّلا حياة السكان لجحيم ودفعاهم للهروب منه إلى مناطق أكثر أمنا بمحيط دمشق.

من جهته، أوضح الناشط الإغاثي "أبو إياد"، أن العائلات المهجرة من مخيم جراء الحملة العسكرية الأخيرة وزعت ضمن قرى الشمال السوري، لا سميا مراكز إيواء اعزاز شمالي غربي حلب، ومخيم دير بلوط بريف إدلب".

ويقول "أبو إياد" لصحيفة "فلسطين" إن وضع المهجرين الفلسطينيين في مخيم دير بلوط "مأساوي للغاية"، فلا يوجد بنى تحتية ولا كهرباء، ولا مياه، ولا طعام، ودورات المياه مشتركة، مشيرًا إلى وفاة طفل فلسطيني قبل يومين غرقا بجوار المخيم نتيجة الوضع المذري، فضلا عن تسجيل ست حالات تسمم بالسحايا حتى اللحظة.

تدمير كامل

من جانبه، أكد عضو مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا ماهر شاويش أن الحملة العسكرية على مخيم اليرموك أدت لتدمير 70-80% من المخيم بكل حارته وأحيائه.

وأوضح شاويش لصحيفة "فلسطين"، أنه نحو 65 لاجئا فلسطينيا قضوا بفعل القصف المستمر على المخيم، لافتًا إلى أن الأخبار شحيحة بخصوص ما يجرى في المخيم نظرا لخروج الإعلاميين من المخيم.

وقال إن الهدف من الحملة العسكرية تدمير المخيم، وشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين، "وما جرى هي عملية تهجير سواء كان ذلك بقصد أم لا"، متهمًا تنظيم الدولة الذي كان يسيطر على نحو 85% من المخيم بالتواطؤ لتسهيل تدميره.

ولفت شاويش إلى أن إعمار المخيم بعد كل هذا الدمار سيستغرق سنوات، خاصة إذا ما تم مقارنه بما حدث بمخير نهر البارد في لبنان، والذي لم يتم اعادة إعمار إلا جزء منه رغم مضي نحو 11 عاما على تدميره.

وأضاف: "أن مخيم اليرموك كان بيئة حاضنة للاجئين، الذي ضرب هو رمزية حق العودة وهذه البيئة التي تحمل أسماء القرى الفلسطينية، نحن لا نبكي الحجر بل نبكي الموروث الوطني بالمخيم"، لافتًا إلى أن مقبرة المخيم التي تم قصفها تضم رفاة شهداء فلسطينيين بارزين، كخليل الوزير، وفتحي الشقاقي، ومحمود المبحوح.

وفي السياق ذاته أعلنت الأمم المتحدة، أول من أمس، إجلاء ما يقرب من 400 شخص من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين القريب من العاصمة السورية دمشق إلى قلعة مدك بمحافظة حماة، شمال إثر اتفاق محلي تم التوصل إليه بين الأطراف المعنية.

جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوغريك بالمقر الدائم للمنظمة الدولية بنيويورك.

وقال المتحدث: إن "الأمم المتحدة لم تكن طرفًا في اتفاقات الإجلاء تلك".

وأضاف: "تواصل الأمم المتحدة دعوة جميع الأطراف، وأولئك الذين لديهم نفوذ عليهم، إلى ضمان حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومستدام ودون عوائق إلى جميع المحتاجين، بما يتماشى مع التزاماتهم بموجب القانون الإنساني الدولي".

وتابع: "من الحتمي أن يُسمح لجميع النازحين بالعودة طواعية في أمان وبكرامة إلى منازلهم حالما تسمح لهم الأوضاع بذلك".

وتأسس المخيم في العام 1957، وكان عبارة عن مجموعة من الخيم آوت مئات العائلات الفلسطينية، قبل أن تستبدل بها لاحقا الأبنية. وعلى مدى عقود، تحول اليرموك إلى منطقة سكنية وتجارية، محتفظا بتسمية "المخيم".