إقرأ المزيد


​مجهول النسب .. يُعامل شرعاً كـ "اليتيم"

غزة - هدى الدلو

أفقنا على أنفسنا وعلامات الاستفهام تكسو وجهنا، كيف لهم أن يرموا روحًا بريئة لا ذنب لها على ناصية الطريق دون أن تهتز مشاعرهم، ليشق طريق حياته وحيدًا دون سند أو نسب معروف له، فما موقف الشرع من ما يقوم به بعض من رمي الطفل لإخفاء آثار جريمتهم؟، وما الأصل في الإسلام للتعامل معهم؟، وإذا قررت عائلة ضم هذا الطفل إلى كيانها فما المحاذير التي يجب أخذها بالحسبان؟، هذا ما نتحدث فيه خلال السياق التالي:

يقول عاطف أبو هربيد الأستاذ المساعد في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية: "حددت الشريعة مقاصدها التي من شأنها أن تحفظ المسلم، وهي تتضمن خمس كليات، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال".

ويضيف: "لذلك جعل حفظ النسل من مقاصد الشريعة، فقد شرع الله (سبحانه وتعالى) الزواج، ورباط المصاهرة لحفظ الكرامة العائلية وحماية المسلم من حد الزنا والقذف، يقول (تعالى): "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، فأوجب حفظ العرض بتحريم الزنا والمعاقبة عليه".

ويشير د. أبو هربيد إلى أن الزنا جريمة كبيرة واستحقت عقوبة تناسبها، فاللقيط ثمرة فعل غير مشروع، ومع ذلك له الحق في الحياة، بدليل: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي"، فَقَالَ: "وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ"، فَقَالَتْ: "أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ؟"، قَالَ: "وَمَا ذَاكِ؟"، قَالَتْ: "إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَى"، فَقَالَ لَهَا: "حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِك"، قَالَ: "فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ؟"، قَالَ: "فَأَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: "قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ"، فَقَالَ: (إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ)".

ويبين أن لهذا المولود الحق في الحياة، لقوله (تعالى): "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"، مستدركًا: "ولكن المجتمع لا يرحم، ويقيم وزنًا عظيمًا في موضوع الشرف، خاصة أهل الفتاة، ومن هذه الزاوية يعمل الأهل على دفع عن أنفسهم المفسدة والعار الذي سيلحق بالعائلة، ولو كان هناك طريق آخر للحد من انتشار الفاحشة لوجب المصير إليه، ولكن لا يجوز ترك هذا الجنين لما يلزمه من عناية، فهم قد هضموا حقه في الحياة وفي النسب".

ويرى د. أبو هربيد أن المجتمع لا يساوي في الجرم بين الفتاة والشاب، مع أن الشرع جمعهما في الآية نفسها، وربما بدأت بالفتاة لأنها هي التي تشجع على ذلك، ولكن المجتمع هضم حق المرأة، حتى إنه من الممكن أن يحملها وزر الجريمة.

ويبين أنه ينبغي تغيير ثقافة المجتمع، "فالمصيبة إذا وقعت تنعكس على المجتمع كافة، أما مفهوم أن العيب يلحق بالفتاة أكثر من الشاب فهو فهمٌ مغلوط فيه، ولكن ربما سبب ذلك أن الجرم يصاحب المرأة طول مدة الحمل، في حين أن الشاب لا يقر بالجريمة".

ويتابع د. أبو هربيد حديثه: "حدد الإسلام أن لهذا المولود حقوقًا في التعامل معه: أن ينسب إلى أمه، وتترك المهمة للمؤسسة للحفاظ عليه، وتطلق عليهم أسماء دون النسب حتى لا يشعروا بنقص في المجتمع".

ويلفت د. أبو هربيد إلى أن ضم الطفل اللقيط إلى كيان عائلة أمرٌ لا يمنعه الإسلام بكفالة الطفل ورعايته، وله أن يعامل معاملة اليتيم، بشرط ألا تتبناه أو تنسبه إلى نفسها، لأن هناك حقوقًا متعلقة بالميراث والنسب، ولما لذلك من مخالفات شرعية.