​مجانين تميُّز!

كتبت - حنان مطير


ابتساماتٌ على الوجوه، وضربات على الكفوف، وقهقهاتٌ تتعالى لتهزّ أوراق أشجار السرو الشامخة، فذلك هو "الهدف" السادس الذي يدخله طلاب مدرسة عرفات الثانوية في مرمى الطاقم التدريسي متمثلًا بمدير المدرسة حسني الدريملي والمدرسين، إلى جانب موظفي الخدمات والمقصف.

جميعهم يلبسون الزيّ الرياضيّ ويقيمون مباراةً تنافسيًة في رياضة كرة القدم الشيّقة، ليرسموا لوحةً قلبها الودّ والتآلف، أرضيتها ملعبٌ رياضيّ متين، وإطارها جدار مدرسةٍ عظيم.

"تذويب الفوارق مع المحافظة على الاحترام أحد أهمّ ما تميزّت به مدرسة عرفات، وذلك واحد من الكثير من الأسباب النفسية التي تجعل المدرسة متميزة وتحصد التفوّق في كل عام" كما يروي مدير المدرسة الدريملي وهو المتخصص في كلية التربية والآداب قسم الجغرافيا والاقتصاد في جمهورية مصر العربية.

معدلات مميزة

ففي هذا العام تُخرّج مدرسة عرفات خمسة من أوائل القطاع، فيما 75% من الطلاب في المدرسة حصلوا على معدلات متقدّمة تزيد على التسعين -وفق الدريملي-، فالأمر ليس غريبًا ولا جديدًا عليها إذ في كل عامٍ يتخرّج منها الأوائل والمميزون، فالطالب المتميز من خلفه معلم متميز ومدير متميز، وتلك هي الدائرة التي لا يمكن أن تتحقّق إلا بهم.

يقول الدريملي لـ"فلسطين"، موضحًا أن هناك أسبابًا أخرى دفعت المدرسة للتميز ومنها أنها لم تكن لتتوقف عن عقد المسابقات الثقافية والعلمية في المختبر والحاسوب، وكذلك المطارحات الشعرية وغيرها.

في حي الشيخ رضوان بغزّة، يتقابل النقيضان، دون أن يؤثر أحدهما على الآخر، سوق الخضار، مقابل المدرسة التي ما إن يُغلَق فيها البابُ حتى تشعر أنك داخل أرقى المدارس وأكثرها تنظيمًا ورقيّا.

ويضيف الدريملي:" وما الرقيّ إلا خلق وعلم وأدب، أولئك أبناء مدرسة عرفات للموهوبين، الذي يتميزون عامًا تلو العام، إنهم فخرٌ لنا".

ويروي الدريملي أن الجوّ الدراسي داخل المدرسة مهيّأ للتفوق والإبداع، إذ الغالبية العظمى من الطلبة هم من المتفوقين وأصحاب المستويات التعليمية العليا، فتجد الطالب الأقل في المستوى التعليمي إما أن يتميز ليلحق برفاقه أو ينسحب بهدوء ويبحث عن مدرسةٍ أخرى، لتُصبغ المدرسة بفئةٍ واحدة، يميزها الأدب والتفوق وحبّ العلم والمنافسة، فالوجود في مكان ما يحكم على الشخص أن يكون من بيئته وطابعه.

ويؤكد مدير المدرسة أن الطاقم التدريسيّ على قدر عالٍ من الكفاءة الثقافية والعلمية والمسئولية وكل ما يخص الأمور التربوية والسيكولوجية، التي لا يمكن أن يسير الطالب فيها وهو يفتقد إحداها، لذلك حرصت المدرسة على خلص التربة الخصبة لبذر بذور النجاح والتميز كما يقول لفلسطين.

من جانب آخر، كانت المدرسة- كما يضيف الدريملي- تفتح بابها على مصراعيه في شهري (4-5) للطلاب كأي شهرٍ من الأشهر الأولى في الدراسة، وهما الشهران اللذان بالعادة يهيئ فيهما الطالب نفسه للامتحانات النهائية ويخصصهما للدراسة بنفسه دون القدوم للمدرسة والرجوع للمدرس.

الدروس الخصوصية

وفي ظل ثقافة الحصول على الدروس الخصوصية التي تفشت في الآونة الأخيرة بين الطلاب في مختلف المراحل الدراسية يوضح الدريملي أن مدرسة عرفات تكفي الطالب وتغنيه عن المدرسين الخصوصيين ضاربًا في ذلك مثلاً حول أحد الطلاب الذي وعد نفسه ومن حوله أنه لن يحصل على أي درسٍ خصوصيّ، فكان قراره "المدير" أن يشجعه وأن يأتي بالطالب ليحصل على درس واحدٍ كلّ أسبوع على مدار ثمانية أسابيع مع ثماني مدرسين وتكون النتيجة التي حصل عليها 98.7% .

وبذلك فإن طلاب مدرسة عرفات وفق ما يقول الدريملي "هم مجانين تميّز، المنافسة بينهم لا تنتهي وهذا أحد أسرار تميز المدرسة الذي تخلقه بأسلوبها المختلف.

هذه المنافسة لم تأتِ إلا بجهودٍ كبيرة وتحفيز وقد ميّزت المنافسةُ أحد الطلاب الذين عانت والدته من مرضٍ أثّر عليه نفسيًا وتركته غير قادر على مواصلة الحديث مع الطلبة وغيرهم، إلا أن المدرسة بإدارةٍ حكيمة وطاقم تدريسي متعاون تمكّن من متابعة هذا الطالب وساهمت في تجاوزه لتلك المرحلة حتى تميز وتحدّى الألم وحصل على معدل 98.9% هذا العام.

الدريملي يوصل رسالته للطلبة والمسئولين بالقول أن أجمل ما يمكن أن يكون في الحياة هو النجاح والتميز ، وأن غزة وإن كانت محاصرة سجينة فإن العلم لا يمكن أن يُحاصَر أو يُسجَن وأن مخرجنا الوحيد في الحياة هو "العلم".

الطالب فادي عابد الحاصل على معدل 93.7% تخرّج من مدرسة عرفات للموهوبين وكلّه امتنانٌ إليها مديرًا ومدرسين وطلبة ، فهو لم يحصل على أي درسٍ خصوصي، ناهيك عن الجو المدرسي المليء بالتحفيز والتشجيع وفق قوله.

ومن قبل فادي -الذي يفكّر في دراسة الطب البشري في الخارج أو طب الأسنان في غزّة-درس إخوتُه الأربعة في نفس مدرسة عرفات للموهوبين وجميعهم يحملون نفس الفكر والامتنان وقد وصلوا لأماكن مرموقة في عملهم كما يروي.

تستحق الفخر

ومن بين هؤلاء الإخوة محمد عابد الذي تخرج منذ سنواتٍويعبر عن مشاعره بتميز مدرسته اليوم فيقول لفلسطين:" أشعر اليوم وكأن فريقي المفضل قد فاز فوزًا جميلًا، فإنني ما زلت أفتخر بمدرستي التي ما تزال تُخرّج المميزين، فهي تستحق بجدارة".

ويضيف:" دراستي في "عرفات للموهوبين" كانت تجربة مميزة وشيء جميل للغاية، فأنا ما زلت أذكر كل تفاصيلها حتى اليوم، فلو أردت الحديث عن عدد الطلاب فقليل لا يزيد على 25 طالبا وهذا يساعد الطلاب على الفهم والمشاركة ويساعد المدرس على الشرح والتواصل اكثر وأكثر".

ويتبع:" لم يكن المدرسون فلاسفة ولا علماء، كانوا طبيعيين لكنهم اختلفوا عن غيرهم من المدرسين في التعامل، فكأنهم أصحاب وأحبّة، لا يعرفون غير لغة الحوار والنقاش، ولا مكان للإهانات في قاموسهم أو التعدّي على أي طالب".

ويكمل:" حين يجتتمع الطلبة المتميزون تشعر بطعم مختلف للتعليم، فهي مكان لتجمع الطلبة الباحثين عن العلم الحقيقي الذين لا يفكرون إلا ببناء مستقبل مشرق ومميز".

مواضيع متعلقة: