​محطات في الوطن " 2"

د. جمال السلقان
ثلاثاء ٠٤ ٠٧ / ٢٠١٧

- يا ڤوول (تماما) - بنبرة رضا.

أيقنت أن جملته الأخيرة جاءت لتذييل نهاية للحديث ولن يتبعها سوى تحية الوداع، ووجدتني أملأ الهنيهات التي تتبع نهاية ردي عليه بانتظار كلمة الوداع من سيد المكان ليصبح قيامي عن مقعدي طبيعيا دون أي استباق أو تأخير.

" لم يمض عليك وقت طويل في هذه البلاد"! كان هذا ما نطق به لكني لم أسمعه جيدا؟ وليس هناك أي سبب أني لم أسمع ما قاله سوى أنني كنت مغلقا على احتمال واحد قرره سياق الحديث، وهو أن أسمع كلمة واحدة انتظرها: آوف ڤيدرسي وتعني إلى اللقاء.

أجبته بابتسامة خفيفة أنها كانت كافية لمعرفة اللغة الألمانية والتعرف إلى الحضارة والثقافة الغنية في هذا البلد، وبالطبع لإنجاز بحثي. وبدت شارة استغراب أخرى دلت عليها تعابير وجهه لكن سرعان ما أفصح عنها بالقول: "هل تعني أنك اكتفيت ولا تفكر بالبقاء هنا؟". فهمت أن محدثي كان يشير إلى موضوع كان هو موضوع الساعة في ألمانيا إذ أعلنت الحكومة الفيدرالية في ألمانيا عن تعديل قوانين الإقامة والهجرة للأجانب، وأصبح بإمكان الحاصلين على شهادات عليا وخريجي تخصصات الهندسة والمعلومات تحديدًا الحصول على إقامات دائمة تنتهي بالحصول على جنسية بعد فترة قصيرة نسبيًا. ومنذ الإعلان عن هذه السياسة الجديدة أخذت مكاتب شؤون الأجانب تعج بطلبات الراغبين في الإقامة في ألمانيا. وهذا ما يفسر استغراب الرجل، حيث مثلت السياسة الجديدة تحولًا جذريًا وكبيرًا في تعاطي هذا البلد مع موضوع إقامات الأجانب، وبالطبع كان يتوقع أني أحد المتلقفين لهذه السياسة بشغف أسوة بما يرى ويسمع. في الحقيقة، لم أكن أرغب بالإفصاح عن فلسفتي تجاه هذه الإشكالية، فقد كنت حانقًا على استماتة المقيمين العرب تحديدًا إزاء الحصول على إقامات هناك بشتى الوسائل غالبًا ما لا تخلو من تجرع مرارة الذل والإهانة التي تجعلك تعيد التفكير مرارًا فيما إذا كان الأمر يستحق فعلًا كل هذه العناء، وكانت مناقشاتي مع مواطنيّ من العرب القادمين من مصر وتونس والمغرب والجزائر والسودان وليبيا وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين واليمن، وبعضهم من المقيمين وآخرين طلبة جاؤوا لإكمال تعليمهم هناك، غالبًا ما تنطلق من فكرة قوامها أن طلب الهجرة لا يعدو كونه حلًا شخصيًا على حساب الحل العام لجميع مشاكل العرب والكدر الذي يعايشونه في بلدانهم، ومن العيب أن تعيش النخبة خارج عالمها وتتنصل منه ومن مسؤولياتها تجاهه، وفي المحصلة سيبقى أهلكم وجيرانكم وشعوبكم يتذوقون مرارة العيش هناك في أوطانهم، وأحيانًا، كان يعلو النقاش وأضطر لإسماع شركائي في الحديث تهكمًا لاذعًا عندما أضطرني للقول إنه حتى الاحترام الذي تسعون للتمتع به عند سفركم بجوازات سفر أجنبية إنما يتضمن إهانة لشخوصكم وثقافتكم لأنه احترام مشروط بحملكم جنسية أخرى وليس لشخوصكم لا كبشر ولا كعرب. بالطبع لم تكن النقاشات المتكررة في هذا الموضوع تمر من دون كدر الاستماع لقصص طالبي الهجرة المحبطين والهاربين من الفقر والبطالة وانعدام الفرص، ولا من دون قشعريرة تستولي على مساماتك عندما تسمع قصص ملاحقة المخابرات العربية لأنفاس الناس وقصص السجون والتعذيب، كان من بين هؤلاء نشطاء شبابيون وسياسيون ومبدعون وعلماء وطلبة متفوقون، أحيانًا كثيرة، كانت تبدو مواقفي غير واقعية لهؤلاء الذين كان وصولهم لأوروبا ليس حدثًا وإنما حلم حياة.

كان شفيعي الوحيد ألا أُتهم بالمزايدة في تلك المناقشات هو معرفة الجميع أنني لم أتقدم بطلب إقامة دائمة برغم انطباق شروط سياسة الهجرة الجديدة علي، وللذين كانوا يعرفونني جيدا، كان الأمر هو استمرار لموقف سابق لي عندما كنت في الولايات المتحدة، وبرغم مرارة هذه التجربة التي مررت بها عقب رجوعي للوطن عام 1994 والتي غالبًا ما كان أصدقائي يبرزونها نقطة في صالحهم للنقاش حول الوطن والمهجر، كان لسان حالهم يقول: "انظر ها أنت تكرر نفس الخطأ، تركت فرصتك الذهبية هناك وعدت لتدرس في جامعة النجاح، وبقيت هناك سنتين ولم يتم تثبيتك في وظيفة كاملة وبقيت محاضرًا بدوام جزئي براتب لا يتعدى المئتي دينار! وماذا عن السلطة الفلسطينية هناك؟ هل قدرت نضالك وشهادتك وأعطتك منصبًا لائقا؟" إلا أنني كنت سرعان ما أفلت من فخاخهم بالقول إنني لا أدعي أن العودة للوطن ستقابل حتمًا باحترام مواطنيك أو مشغليك أو سلطتك، فبرغم المعاناة التي يزيدها وجود الاحتلال قسوةً ووجعًا يزيد تعقيدًا ووطأة عن أي وضع موجود في المنطقة العربية، إلا أن الأمر يتعلق بالوطن، وهناك ستجد متسعًا لذاتك ولطموحاتك في إطار جماعي وستفرض نفسك وستكون صاحب رسالة. في الواقع لم يكن موقفي الحقيقي بهذا الجلاء، كان مزيجًا من خطين أبيض تارة وأسود تارة أخرى، وبالمحصلة كان ملتبسًا في داخلي، لكن موقفي في العلن كان يبدو غير ذلك، متماسكًا، حازمًا، تطهريًا، وذا نزعة وطنية غلابة. ووجه الالتباس فيه يعود لصدمة السنتين اللتين قضيتهما في الوطن ما بين 1994-96، ومن هواجس كانت تنتابني بين الحين والآخر بأنه ليس ثمة ما يضمن عدم تكرار الصدمة عندما أعاود الكرّة مرة أخرى بعدما أنهي عملي في ألمانيا.