إقرأ المزيد


​إثر فوز فيلم (قضية 23)

مهرجان البندقية.. بين المفاجآت وإثارة الجدل

غزة - نور الدين صالح

حملت نسخة 2017 من مهرجان "البندقية" السينمائي الدولي ثلاثة مفاجآت مختلفة، أما الأولى فهي فوز الممثل الفلسطيني كامل الباشا بجائزة أفضل ممثل لهذا العام، والثانية قبول عرض الفيلم المثير للجدل للمخرج اللبناني زياد دويري القضية 23 أو ما يُعرف بـ(الإهانة)، وأما الثالثة فتمثلت بفوز فيلم فوكستروت (خطوة الثعلب) للمخرج الإسرائيلي شموليك معوز، بجائزة الأسد الذهبي، رغم ما يحمله من مشاهد "مسيئة لسمعة جيش الاحتلال" بحسب وزيرة ثقافته.

ورغم حضور وزارة الثقافة اللبنانية ممثلة بالوزير د.غطاس الخوري، إلا أن الأمن اللبناني لم يغفر لـ"دويري" تطبيعه مع الاحتلال الاسرائيلي في فيلمه السابق "الصدمة" عام 2012، الذي صوّره في (اسرائيل)، وذلك إثر اعتقاله في مطار رفيق الحريري في بيروت بعد ساعات من فوز فيلمه بالجائزة.

وتدور أحداث فيلم (الإهانة) بين لبناني مناصر لـ"القوات اللبنانية" اسمه طوني حنا وأحد العاملين في الحي وهو فلسطيني اسمه ياسر، يرشّ طوني المياه على ياسر عن طريق الخطأ ويقع بينهما خلافٌ، ويتطوّر إلى شتائم، وينتهي الأمر بينهما في المحكمة، وهذا ما سيؤدي الى اندلاع صراعات جديدة.

وبحسب دويري، فإن رسالة الفيلم هي "التأكيد على العيش المشترك وقيمة الإنسان بعيدًا عن اختلاف الانتماء والهوية"، لكن الثقة بأعماله ظلت "مهزوزة"، كونه شخصية مثيرة للجدل واعتاد على قلب المقاييس.

ويرى الناقد السينمائي اللبناني هوفيك حبشيان، في قراءته الممعنة في تفاصيل الفيلم، أن مشاهد الفيلم تشهد على مضمون آخر مملوء بالإحالات والملفات الفرعية التي منها يتشكّل ثراء العمل الداعي لمصالحة وطنية تضمن بناء مستقبل يستوعب الأضداد.

يقول حبشيان في مقال نشرته صحيفة "النهار" اللبنانية، إن دويري اختار المواجهة والطرح الجريء، فلا تحرجه تسمية الأشياء بمسمياتها ولا إعادة فتح صفحات سود من التاريخ اللبناني الحديث الذي لا تزال وطأته ثقيلة على الحاضر.

وأضاف، أن دويري يواصل التنقيب في موضوع سجالي، متجاهلاً كلّ المهاترات التي تسبب بها فيلمه السابق "الصدمة".

ولم يستبعد أن ما سبق هو السبب الذي دفعه لإنجاز الفيلم، "فالتهم التي وُجّهت إليه من فريق سياسي معين تتماهى إلى حدّ بعيد مع التهم التي يُرشق بها "بطله المضاد" طوني، وفق قوله.

ويفسّر حبشيان ما قاله الممثل طوني خلال الفيلم "يا ريت شارون محاكُن عن بكرة أبيكن"، بالقول: إن هذه الجملة الانتقامية بكلّ ما تحمله من كراهية وضغينة هي الصفحة البيضاء التي يعمل عليها الفيلم ليكون حكماً بين طرفين يتشابهان إلى حدّ مخيف، على الرغم من اختلافهما.

فيلم عنصري

ويبدو أن المُخرج الدويري، أراد من خلال فيلمه، التطرق لواقع حالة التعايش بين اللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين بمخيمات اللجوء، وهو ما اعتبره ناقدون ومخرجون "عنصري ويعمل على التفريق بين الطرفين في ذات الدولة".

ويوضح المُخرج الفلسطيني أيمن العمريطي، أن الفيلم "عنصري" ويعمل على التفريق بين الفلسطينيين واللبنانيين وينبش ملفات قديمة بينهما من شأنها خلق أجواء من الحقد والكراهية.

ويرى العمريطي خلال حديثه مع صحيفة "فلسطين"، أن الفيلم لا يمثل الحالة اللبنانية، إنما جاء ضمن مساعي فردية ويعبر عن "مزاجية" المُخرج وشخصيته، خاصة أن هناك شريحة قليلة تؤيد ذلك الفكر.

وفي سياق متصل، يوضح العمريطي أن الفيلم تناول جزئية تتمحور حول وجود ملف أسود لكل من الفلسطيني واللبناني، وحاول كل منهما تفريغه والتخلص منه، مشيراً إلى أنه تناول الحالة الشعبية وتطرق للحديث عن كل طبقات المجتمع للمواطن الفلسطيني واللبناني.

ويتفق مدير عام الفنون في وزارة الثقافة د.عاطف عسقول، مع سابقه، قائلاً إن الفيلم يناقش قضية خلافية وحساسة لا زال الشعب الفلسطيني يعاني منها حتى الآن.

وأوضح عسقول لصحيفة "فلسطين"، أن الشعب الفلسطيني وخاصة اللاجئين يعانون من التهميش في أماكن اللجوء، بالإضافة إلى التمييز وحرمانهم أبسط حقوقهم، وهو ما تطرق له الفيلم.

وبيّن أن السينما لها دور حيوي وخطير في تناول القضايا، لافتاً إلى أن المُخرج تطرق للقضية من وجهة نظره، لا سيما أنها لم تُحل بعد.

ونوه إلى أن السينما تلعب دوراً وطنياً بامتياز من خلال تعريف العالم الخارجي بالقضية الفلسطينية، وما يتعرض له اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات الشتات وغيره.

تسليط الضوء

من جانبه، رأى المختص بشؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ياسر علي، أن المُخرج أراد من خلال الفيلم تسليط الضوء على الحالة التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني في لبنان، بهدف تغييرها من المسؤولين والجهات المعنية.

وقال علي لصحيفة "فلسطين"، إن الفيلم سيكون له تأثيرات إيجابية، إذا أُخذ بجدية من الجهات المختصة، لافتاً إلى وجود الكثير من الحالات الفردية التي تنظر للحالة الإنسانية هناك وليس الفلسطيني فحسب.

وبيّن علي، أن الفلسطينيين في لبنان ظلموا كثيراً ولم تعد لهم أي حقوق، خاصة بعد التوافق بين الشرائح السياسية في لبنان، موضحاً أن النظرة السائدة للفلسطينيين هناك هي "الدونية".

وذكر أن شخصية "طوني" في الفيلم عاشت على ذكرى الحرب اللبنانية والعقد النفسية التي سببتها في تلك المناطق، منوهاً إلى أن الكثير من اللبنانيين يتوجسون ريبة من الفلسطينيين.

وشدد على ضرورة تغيير النظرة غير السوية بين اللاجئين الفلسطينيين والشعب اللبناني، وإعادة تصحيحها من جديد.

فوز الباشا

أما الشق الآخر من المهرجان فهو فوز الممثل الفلسطيني كامل الباشا بجائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية، عن دوره في ذات الفيلم "القضية 23".

وزارة الثقافة في حكومة الحمد الله، اعتبرت فوز "الباشا"، إنجازاً يضاف إلى الإنجازات الفلسطينية الثقافية والفنية على المستوى العالمي، وخاصة في مجال السينما.

وقال وزير الثقافة إيهاب بسيسو في بيان له، إن ما حققه الباشا من إنجاز مهم، دليل إضافي على أن المبدع الفلسطيني قادر على المنافسة العالمية، إن توفرت له المساحات المناسبة للإبداع، وهو ما تسعى لتحقيقه الوزارة عبر المساهمة في الدعم المالي للعديد من مشاريع الأفلام، أو غيرها، مما يصب في تعزيز الحضور الثقافي الفلسطيني عالمياً، في السينما، وغيرها من الحقول.

وأضاف أن هذا الفوز دليل على أهمية الحضور الفلسطيني في السينما العربية والدولية، ما من شأنه الانفتاح على الثقافات الأخرى من جهة، وتسليط الضوء على إبداعات الفنان الفلسطيني القادر على تحقيق إنجازات عالمية بارزة في مختلف مجالات الإبداع.

الفيلم الإسرائيلي

أما الفصل الآخر المثير للغرابة خلال المهرجان ذاته، فكان فوز فيلم فوكستروت (خطوة الثعلب) للمخرج الإسرائيلي شموليك معوز، بجائزة الأسد الذهبي، والذي تناول مشهد يصور مجموعة من جنود الاحتلال يمارسون العنف بحق مواطنين فلسطينيين على حاجز عسكري.

وهو ما رفضته وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغيف، بادعائها أن "(إسرائيل) تمتلك الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، في ظل الواقع المعقد الذي يعيشه جنوده كل يوم، من المؤسف أن تحظى الأفلام الإسرائيلية التي تنتقد إسرائيل وتمس بسمعتها وبسمعة جنودها، بترحيب وشعبية في العالم بشكل أوتوماتيكي".

يشار إلى أن مهرجان البندقية يعد أقدم مهرجان سينمائي من نوعه، وهو أحد أهم ثلاثة مهرجانات سينمائية عالمية مع مهرجان كان وبرلين، وقد أقيمت الدورة الأولى لمهرجان البندقية عام 1932م، وتعتبر هذه الدورة هي الـ 72 منه.

مواضيع متعلقة: