إقرأ المزيد


​يعاني من شلل كامل..

محمود الخضور ..حياته رهن إصبعه

محمود الخضور (أرشيف)
غزة - هدى الدلو

مفهومه للإعاقة أنها نعمة عظيمة من الله أنزلها تكرمًا منه على عباده في الأرض، منحة لأولئك الأشخاص لدخولهم الجنة، وهي رسالة أراد أن يوصلها محمود للمجتمعات العربية أن سبب ضعفهم هو عدم استثمار طاقات الأشخاص ذوي الطاقات الكامنة.

بكرسيه المتحرك، وسلاحه في الحياة حاسوبه المحمول، وإرادة صلبة يتمكن بها من التغلب على إعاقته الحركية، متجاهلًا نقاط ضعفها ومركزًا على نقاط قوتها؛ محمود عاطف الخضور (25 عامًا) من المملكة الأردنية الهاشمية تخرج في إحدى الجامعات الأرنية تخصص تقنية معلومات وحوسبة.

يعاني محمود من شلل دماغي رباعي بالأطراف العلوية والسفلية، أدى إلى تقلص في عضلة اللسان وفقدان القدرة على الكلام؛ فهو يسمع ولا ينطق، وبصعوبة يحرك إصبعه التي تعد الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الناس، حالته هذه كانت الأولى في العائلة، وكانت ردة الفعل صعبة والصدمة كبيرة، ولكن تيقنت عائلته أنها نعمة من عند الله بفضل إيمانهم الكامل به (عز وجل)، وبدؤوا في عملية بنائه كأي إنسان.

تعاملوا مع محمود على أنه إنسان سوي ولا يعاني من أي نوع من الإعاقة، فكانوا يوكلوا إليه مهام ومسئوليات كما إخوته الآخرين، والتحق برياض الأطفال والمدارس العادية فشاركهم في ألعابهم ورحلاتهم ومدارسهم، ويعامل معاملة الطفل العادي باللعب والحركة والدراسة والعناية، ولا يوجد أي نوع من التفرقة، وكان ذلك بداية الطريق لدمج محمود في المجتمع المحلي.

انطلق محمود في المدرسة بمراحلها المختلفة، كان من المتفوقين بفعل قدراته الدراسية، وكان والده قد عانى معاناة شديدة لإقناع وزارة التربية والتعليم بمنحه وقتًا إضافيًّا خلال تقديمه الامتحانات، لأنه يطبع ويكتب بإصبع واحدة وبصعوبة يحركها، فيحتاج إلى وقت إضافي، واستطاع إنهاء مرحلة الثانوية العامة، وانطلق إلى الجامعة، وحاول أن يجد له الفرصة وفق قدراته وإمكاناته بتخصصه الجامعي.

وقال: "شعرت بأني مختلف عن الآخرين، وكنت دائم البحث عن الاختلاف، ولماذا أنا مختلف، ولكن مع دعم الله لي وأهلي كنت أحلم وأعيش وفق قدراتي التي منحني الله إياها".

عمل أهل محمود على غرس مفاهيم بداخله: "أنت _يا محمود_ من دون الله لا تسوى شيئًا.. أنت خلقت لتكون.."، أضاف: "دائمًا أهلي يدعون لي أن أكون ممن ينصرون دين الله، وهذا الإنجاز من فضل ربي علي؛ فقد استجاب لدعاء والديّ".

وتابع الخضور: "ومع حجم الصعوبات والتحديات التي أواجهها في الحياة أبقى متمسكًا بهدفي وتحقيق ما أطمح إليه، وخلال السنوات الماضية أسست مبادرة "حقي مثل حقك" لدعم ذوي الإعاقة في المجتمع الذي لا يدعم أمثالي".

وبين أن هذه المبادرة تهتم بالشؤون النفسية والاستشارية لذوي الطاقات الكامنة، ومرتكزة على عدة أعمدة رئيسة، فمن اكتسب الإعاقة نتيجة مرض أو حادث يقول له عبارة الفاروق (ضي الله عنه): "أتخجل من جزء سبقك إلى الجنة؟!"، ومن ولد بإعاقة يقول له: "أتخجل من جزء أبى النزول معك إلى الحياة الدنيا وبقي ينتظرك في جنان الخلد؟!"، ولباقي المجتمع يقول: "لو علمتم أجرنا لتمنيتم أن تكونوا منا".

وألف الخضور كتابًا تحت مسمى "خربشات متمردة"، استطاع به نقل مخيلة القارئ إلى أماكن وأجواء يتمنى أن يعيش تفاصيلها، ولعل أكثر ما يشغل تفكيره ليل نهار أن يكون مرجعًا للشباب جميعًا.

تحديات

وتابع حديثه: "واجهت العديد من الصعوبات بسبب سذاجة مجتمعاتنا العربية، لكن تحديتها وأثبت وجودي بفضل الله، وكلما تذكرت بعض المواقف قلت: سبحان الله، كيف كان يحط غشاء علي حتى لا أفهم كلام الناس".

مع كل ما ألم به تمنى لو أنه لم يكن يسمع من قسوة ما سمعه من حديث دار بين والده وآخرين: "ليه بدك تدرسوا؟!، وضعه صعب"، ونقاش والده مع صاحب البيت الذي استأجره، فقد طلب سعرًا أعلى بسبب اضطرارهم إلى استئجار الطابق الأول لكي يسهل لمحمود الدخول والخروج.

وتذكر موقفًا حزينًا حدث معه، فقد كان محبوبًا لدى زملائه ومدرسيه، ولكنه حصل معه موقف في الصف العاشر من معلم التربية الإسلامية، وسرد: "كنا نقدم امتحانًا بالتربية الإسلامية، وكانت أغلب الأسئلة مقالية، وأنا بحكم إعاقتي بطيء في الكتابة، ولم يراعِ ذلك الأستاذ، وسحب مني الورقة دون أن أنهي الإجابة عن الأسئلة، وحصلت يومها على علامة سيئة بسبب عدم احترامه لإعاقتي".

ويتمنى الخضور ألا يرى صاحب إعاقة حزينًا، آملًا أن يترك بصمة في المجتمع، خاصة بأعماله التطوعية، وأن يعامل الشخص من ذوي الإعاقة على أنه شخص منتج، وعن أكبر أمنياته قال: "أحلم أن أغدو شيئًا عظيمًا في الأرض وتفخر به السماء".