الشهيد "محمد النجار" .. زرع عَلماً فأثمر شهيداً

غزة - رنا الشرافي

في كفه "حلم" وفي الأخرى عَلَم، ومن حوله الصَحبُ عالي الهِمم، وأمامه قناصة احتلالية لن تبقي ولن تذر، والأرض أسفل أقدامهم تمور، وعلى المدى خلف السياج حكايات آن لها أن تكتب بدمِ ثائر جسور، هو الشهيد محمد كمال النجار الشهير بـ"كيمو".

خرج "كيمو" برفقة والدته وأصحابه في 30 آذار (مارس) الماضي، الموافق لذكرى يوم الأرض الـ42، إلى الحدود الشرقية لقطاع غزة مع فلسطين المحتلة 1948م، تلبية لنداء الوحدة الفلسطينية بالخروج في مسيرات العودة السلمية، لتكون تلك المنطقة نقطة الانطلاق إلى فلسطين التاريخية، ليعود كل لاجئ إلى أرضه.

وما إن وصل إلى نقطة العودة هناك جلست والدته في الخيام مع باقي النسوة، أما هو فتحرك مع أصحابه.

"يما دير بالك ع حالك" هز محمد رأسه، وغاب بين جموع الشبان التي كانت في المكان لا تحمل بأيديها سوى عَلَم فلسطين، وحجر لمواجهة قنابل الغاز والرصاص المتفجر الذي يكيله قناصة الاحتلال صوب المتظاهرين الفلسطينيين السلميين.

دار الشبان في المكان، وحارت القلوب في الصدور على أي جنب تقف: هل تقف جهة اليسار لتواصل النبض أم تقف جهة الأرض لترويها بالدماء؟، لوّح الشبان بعلم واحد، هو علم الوطن.

مشهد الثائرين العُزل أثار حنق جنود الاحتلال الإسرائيليين المدججين بالسلاح، الذين بدؤوا بقطف زهرة شباب الفلسطينيين، يختارون أكثرهم نشاطًا ودعمًا للرفاق، فيستهدفونه برصاصة قاتلة في الرأس أو الصدر، أو ركبة الساق لتصبح حياته بعد ذلك شللًا ومستقبله عدمًا.

ومن بين الثائرين تقدم محمدٌ برفقة العلم، ثم أخذ يلوح به يمنة ويسرة وهو لا يزال يتقدم سلميًّا نحو السياج الفاصل، لم يخش الاستشهاد برصاصة قناصة، ولم يفكر في مصيره، إن أصيب.

عبثًا حاول قناصة الاحتلال الإسرائيلي أن يصيبوه، فراية العلم الخفاقة حالت دون تحديد بؤرة الهدف، وفي غمرة اندفاعه والمتظاهرون من حوله يكبرون ويهللون: "إننا اليوم عائدون" تحولت أنظار محمد إلى أمر لافت.

تمكن الشبان الثائرون الذين سبقوا محمدًا إلى السياج الفاصل أن يحدِثوا فتحة فيه، ما إن وقعت عينه عليها حتى تجلت في ذهنه الصورة: الطريق معبدة إلى فلسطين، إلى أرضه التي حدثه عنها أجداده ومعلموه.

لم يتردد لحظة، بل سارع إلى الدخول خلف السياج الفاصل، ليغرس علم فلسطين الذي حماه من استهداف القناصة برهة من الوقت.

آثر محمد أن يغرس العلم في أرضه، ليقول لجنود المحتل: "إن هذه الأرض لنا".

تكشف جسد محمد للقناصة فرموه برصاصة غدر، ليرتقي شهيدًا، وكما قالت والدته: "ربنا اختاره مقبل غير مدبر".

"دفي قلبه"

يقول المثل الشعبي: "إن قلب المرء دليله"، فكيف إذا كان هذا القلب هو قلب الأم؟!، شاهدت والدة محمد مجموعة من الشبان يحملون شابًّا إلى سيارة الإسعاف، خفق قلبها بشدة وتذكرت ابنها محمد ابن الـ25 ربيعًا أنه ذهب من تلك الجهة حيث عاد المسعفون.

خرجت من الخيمة تستشرف مكان محمد بعد أن شاهدت بنطاله وحذاءه، وأخبرت إحدى النسوة اللاتي كن معها: "كأنه بنطال محمد وحذاؤه"، خرجت السيدة من الخيمة لتستطلع الخبر، لكنها لم تتمكن من معرفة هوية المصاب.

15 دقيقة مضت ولا يزال قلب أم محمد يخفق بسرعة، تريد أن ترى ابنها لتطمئن، حتى جاءها الخبر: "روحي ع الدار"، زاد قلق والدة محمد وألمها، وبات يقينها يخبرها أن محمدًا ليس بخير.

ثم جاءها الخبر: "محمدُ شهيد"، لا تذكر أم محمد من أتاها بخبره، هي سمعت فقط، وخارت قواها، لم تستطع الأرض بجبروتها أن تحمل ألم الأم، ولا أن تتسع لحجم تلك الغصة، فسقطت إلى الأرض وسجدت، ثم نهضت تطلب رؤيته، فطلبوا لها سيارة لتُقلها إلى المستشفى، وفي زحمة السير طلبت النزول من السيارة: "نزلوني من السيارة؛ أنا أسرع منها".

أرادت أن تركض لترى محمد، في مشهد وثقته عدسات الكاميرات، وتناقلته مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشر بين الأحرار كانتشار النار في الهشيم، ذلك المشهد لحظة لقاء الأم نجلها البكر المضرج بدمائه داخل ثلاجة الشهداء، الذي سيبقى محفورًا في الذاكرة الفلسطينية.

وقفت والدة محمد وقالت ما لن تستطيع ترجمته أي لغة في العالم: "محمد، يما يا حبيبي، معلش يما، كل يوم بقلك صلّي يما، حبيبي يا قلبي، ربنا يتقبلك شهيد يا رب، طلعولي ياه من هان، صقعة كتير عليه، ابني بصقع، دفّي قلبه، غطيه هان وهان، طلعوه وخلوني عنده".

روت ما حصل، وبصعوبة كانت تنطق، وتلهج بالدعاء لمحمد أن يرحمه الله ويتقبله شهيدًا.

خفيف الظل، مرح الروح، طيب القلب، وصاحب واجب، يحب مشاركة الجميع في أفراحهم وأحزانهم، صفات أجمع عليها أصدقاء "كيمو": محمود المزعنن وهايل الكرد ومحمد عنبر، الذين التقتهم مراسلة صحيفة "فلسطين" في إطار بحثها في سيرة هذا الشهيد، الذي ارتقى في ذكرى يوم الأرض المتوافقة مع انطلاق مسيرة العودة ويوم الجمعة أيضًا، وتلك فرصة لم ينلها سوى الفلسطينيين.

مشاركة "كيمو" في المسيرة المطالبة بحق العودة لم تكن الأولى، فهو ثائر وطني كان له حضور في كل مناسبة وطنية، وفي كل تظاهرة ومسيرة.