إقرأ المزيد


​محمد عاكف.. الإمام العاكف في ميدان الحق

تخبرنا صفحات المجد القادمة من كتب التاريخ أن من المؤمنين رجالٌ اختاروا دربَهم بكلِ قناعةٍ وبكل ارادةٍ رغم معرفتهم أن دربَهم طويلٌ وشاقٌ ومكلفٌ، لكنهم اختاروه لأنهم يريدون إعلاء كلمة الحق، رغم أنهم يعرفون بأن الموت يتربص بهم في كل ثانيةٍ وزاويةٍ، فكان شعارهم في حياتهم (ماضٍ وأعرفُ ما دربي وما هدفي).

وتخبرنا الأحداث التي تشرفنا بأن نعيش جزءًا منها أن محمد مهدي عاكف المرشد السابع لجماعة الإخوان ينتمي لصنف فريد من الرجال الذي جاؤوا إلى الحياة فأغاروا على عوجها وركلوا بأقدامهم كل امتيازاتها رفضوا بطاقة متفرج وانتزعوا منها بطاقة (مُحَرِك)، وفضلوا السباحة في بحر العواصف رغم قسوة الجراح وقسوة الرياح، ورفضوا النوم في حضن المذلة، وحين اصطفاهم الله وأزف رحيلهم ذهبت معهم قلوب الأمة وحناجرها ودموعها ووعدًا بالبقاء على ذات الدرب لا تقيل ولا تستقيل، فنالوا بامتياز شرف الخلود على عرش صفحات التاريخ التي أسكنتهم في قلبها واعتذرت لهم عن تواضع المقام.

كيف لا يستحق محمد عاكف هذا القدر من المحبة والحضور؟ وهو الذي دخل محراب جماعة الإخوان المسلمين من نعومة أظفاره رغم أنه كان غنيا عن تحمل هذه المشاق وكان بإمكانه أن يعيش لنفسه، لكن أيقن (أن من يعيش لنفسه قد يعيش سعيدًا، لكنه يعيش وحيدًا ويموت وحيدًا).

قرأ المرشد السابع وتعلم ما خطه المرشد الأول للجماعة حسن البنا حينما قال (ستدخلون في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون وتُقتلون وتُشردون، وتُصادر مصالحكم وتُعطل أعمالكم وتُفتش بيوتكم، وقد يَطول بكم مدى هذا الامتحان) فكان الجواب (ولستُ أبالي حين أُقتلُ مسلمًا على أي جنبٍ كان في الله مصرعي).

رغم أن محمد عاكف من جماعة الإخوان المسلمين لكنه كان إنسانيًا ووطنيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو الذي تحمل أذى الأنظمة الدكتاتورية التي اعتلت عرش مصر بالقوة والعنف، ورفض _كما هي فلسفة الجماعة_ حمل السلاح ضد إخوة الدين والوطن، لأن الدين والوطن أغلى من الجماعة.

كبر عاكف ولا يزال عاكفا في محراب الحق، ووهن جسده من كثرة الأمراض، لكن ذلك لم يشفع له عند قادة الانقلاب فقد حبسوه وعذبوه وحرموه من أبسط الحقوق، لكنه ظل رافعًا هامته ورفض إعطاء الدنية في الدين والوطن، ولسان حاله يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وليس على الإنسان أحب عليه من نفسه.

المرشد السابع لحق بمن سبقه من قادة الجماعة الذين قضوا نحبهم على يد الأنظمة العسكرية المصرية، وكان مصيره أن يشيعه عدد قليل من الناس لأن قائد الانقلاب خشي من المرشد حتى وهو على نعش الموت، فمنع أهل مصر من تشييعه ودفنه، إلا أن الله شاء أن يصلي على عاكف ملايين من الشرفاء في بقاع الأرض حيث أقيمت صلاة الغائب على روح الشهيد بإذن الله.

انتقل المرشد إلى قاضي السماء، إلى حرية وعدالة لا ظلم بعدها، مضى إلى الله شامخًا صامدًا مرفوع الرأس كما يليق به، ليخبر الله و(هو العلي العليم) بأن حكام مصر قد عاثوا في الأرض فسادًا.

اهنأ أيها المرشد في جنان الله مع رسول الله ومع من سبقك من المسلمين، ولن ينسى أحد ما قدمته أنت للإنسانية، وسيذكرك التاريخ بأنك غادرت الحياة واقفًا شامخًا، وستقف الأجيال اللاحقة احترامًا وتقديرًا لك، واعلم أن الأرض قد بكت بكاء حزن على فقدانها إياك، وبكت السماء بكاء فرح على قدومك إليها.

مواضيع متعلقة: