منظّمات مسيحية تحمل "شؤون الكنائس" والسلطة والأردن المسئولية

محكمة الاحتلال تصدّق على تملّك مستوطنين عقارات للكنيسة الأرثوذكسية

صورة أرشيفية
القدس المحتلة - غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

الحموري: تقصير الكنيسة أدى لخسارتها العقارات
الديمقراطية: الكنيسة ملك للشعب الفلسطيني


صدّقت محكمة الاحتلال العليا في القدس المحتلة على بيع ثلاثة عقارات للكنيسة في البلدة القديمة في القدس المحتلة لجمعية "عطيريت كوهانيم" الاستيطانية، بعد أن رفضت التماسًا تقدمت به الكنيسة الأرثوذكسية، في خطوة حملت منظّمات أرثوذكسيّة مسؤوليتها اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس، ورئاسة السلطة الفلسطينية والقيادة الأردنية الوصية على المقدّسات في المدينة المقدّسة.

ويدور الحديث عن فندقين، ومبنى ضخم، في ميدان "عمر بن الخطاب"، في "باب الخليل"، داخل البلدة القديمة من المدينة.

ويضم فندق "إمبريال" 30 غرفة فندقية، و فندق" البتراء" المجاور فيضم 12 غرفة فندقية، إضافة إلى مبنى ضخم مجاور في شارع المعظمية في الحي الإسلامي في المدينة.

وقالت صحيفة "هآرتس" العبرية الصادرة أمس: إن هذا الرفض أنهي صراعا قضائيا استمر نحو 14 عاما بشأن بيع ممتلكات الكنيسة، بما يعد مكسبا للجمعية الاستيطانية التي تعزز مكانتها في "حارة النصارى" في البلدة القديمة.

ونقلت الصحيفة عن مصدر في البطريركية قوله إنها تلقت في الأيام الأخيرة شهادات جديدة عن الفساد في عملية بيع الأملاك، وأن الكنيسة تنوي العمل على إلغاء القرار.

ولفتت إلى أن محامي البطريركية تنازلوا عن الادعاءات بشأن الرشوة والفساد في أساس الصفقة، كما تنازلوا عن ادعاءات عدم صلاحية التوقيع على الصفقة، كما لم يتم عرض وثائق على المحكمة تشير إلى أن الجمعية الاستيطانية كانت قد عرضت 9 أضعاف المبلغ الذي دُفع فعلا.

يشار إلى أن فلسطينيين يسكنون هذه المباني ويعدون "مستأجرين محميين"، ومن المتوقع أن تبدأ الجمعية الاستيطانية "عطيريت كوهانيم" بإجراءات قضائية لإخلائهم منها.

وبدأت القضية في عام 2005، حيث نشرت صحيفة "معاريف" العبرية في حينه، عن بيع المباني الثلاثة.

وأدى الكشف عن هذه الصفقات في عام 2005 إلى عزل البطريرك السابق للروم الأرثوذكس إيرنيوس بعد موجة احتجاجات محلية.

ولاحقا، تعهد البطريرك الجديد ثيوفيلوس الثالث بالعمل على إبطال هذه الصفقة، بعد أن قال إنه شابها "فساد ورشوة ولم تحصل على موافقة الكنيسة".

والتمست بطريركية الروم الأرثوذكس، العام الماضي، إلى محكمة الاحتلال المركزية في القدس، لإبطال الصفقة ولكن المحكمة رفضت الالتماس.

وفي إثر ذلك توجهت البطريركية إلى محكمة الاحتلال العليا، التي بدورها ردت الالتماس أيضا.

ورأت المحكمة أن من غير الممكن التشكيك بصلاحية البطريرك السابق إيرنيوس باعتبار أنه حصل على اعتراف حكومة الاحتلال في عام 2004، وقالت: "تم رفض الادعاءات ضد تعيين إيرينيوس".

وأضافت: "فشلت البطريركية في إثبات ادعائها بأن عائدات الأصول، لم يتم تحويلها إلى حساباتها".

ووفقا للصحيفة تراجع محامو الكنيسة خلال المداولات التي جرت الأسبوع الماضي عن ادعاءات الرشوة والفساد وعدم وجود صلاحية للتوقيع على الصفقة. وبالنتيجة رفضت المحكمة الالتماس وصدقت على نقل ملكية العقارات إلى "عطيريت كوهانيم".

تقصير كبير ومتعمّد

وتعقيبا على هذا القرار قالت المنظّمة الأرثوذكسيّة الموحَّدة، ومجموعة الحقيقة الأرثوذكسيّة في بيان مشترك أمس: إن قرار المحكمة لم يختلف عن توقّعات الخبراء المتابعين للقضيّة، وبخاصّة بعد التقصير الكبير والمتعمّد (بهدف خسارة هذه العقارات) من قِبل البطريرك ثيوفيلوس والبطريركيّة في تقديم الأدلّة والبراهين التي قد تعيد هذا الأوقاف للبطريركيّة خلال المداولة في الملفّ في المحكمة.

وأضاف البيان: "نظرًا لهذا التقصير كانت احتمالات قبول الاستئناف-الذي لم يأتِ إلّا في محاولة لكسب الوقت ولحفظ ماء الوجه بعد أن تكشّفت صفقات التسريب الرهيبة التي قام بها ثيوفيلوس-ضئيلة جدًّا"، بحسب البيان المشترك.

وأشار إلى أن القرار أثبت تواطؤ وتآمر ثيوفيلوس ومَجمعه الفاسد في جريمة تسريب أوقاف باب الخليل والتي ستعقبها جريمة جديدة من المستوطنين في محاولاتهم إخلاء قاطني هذه العقارات من الفلسطينيّين.

وجاء في البيان: "لقد صَدَقت مخاوف الجمهور الأرثوذكسيّ من كل تصرفات ثيوفيلوس خلال هذه القضية التي استمرت قرابة 14 سنة. فثيوفيلوس الذي سرّب آلاف الدونمات في القدس وقيساريا ويافا والرملة وطبريّا والناصرة وحيفا لجهات صهيونيّة لا يمكنه أن يكون أمينا على أوقاف باب الخليل التي تقع في لبّ الصراع العربي الإسرائيلي".

وشدد على أن المسؤولية الأعلى في هذه القضية تقع على من يدّعون حماية القدس ومقدّساتها وأوقافها، ابتداء من اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس، حتى الحكومة ورئاسة السلطة الفلسطينية والقيادة الأردنية الوصية على المقدّسات في المدينة المقدّسة.

يشار إلى أن الكنائس المسيحية تمتلك نحو 28 في المائة، من مساحة البلدة القديمة في مدينة القدس المهددة بالمصادرة.

وفي السياق، قالت الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات: إن رفض محكمة الاحتلال التماساً تقدمت به الكنيسة الأرثوذكسية، والتصديق على منح ثلاثة عقارات للكنيسة في البلدة القديمة لجمعية "عطيريت كوهانيم" الاستيطانية، يعد إصرارًا إسرائيليَّا متطرفًا على المساس بأملاك الكنائس وأراضيها في القدس المحتلة".

وأشار الأمين العام للهيئة حنا عيسى إلى ضرورة التزام دولة الاحتلال بالوضع التاريخي للمدينة المقدسة القائم على "الستاتيكو" العثماني، والوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة، مؤكدًا أن قرارات الاحتلال الخاصة بمصادرة أملاك الكنائس ومنحها للمستوطنين تقوض الطابع المقدس للمدينة المحتلة، وتعيق الكنائس عن القيام بدورها ونشاطاتها.

وحذرت الهيئة في بيانها من عقبات هذه القرارات الأخيرة، التي سيتبعها الاعتداء على السكان الفلسطينيين لهذه المباني المصادرة، الذين يعدون "مستأجرين محميين"، فمن المتوقع أن تبدأ الجمعية الاستيطانية "عطيريت كوهانيم" بإجراءات قضائية لإخلائها منهم.

ونددت بتواطؤ الاحتلال مع الجمعيات الاستيطانية وسوائب المستوطنين في القدس المحتلة، وتقديم كل التسهيلات لهم للاستيلاء على المزيد من الأراضي والعقارات، لفرض أمر واقع جديد في المدينة المحتلة بتهويدها وطمس معالمها العربية الإسلامية المسيحية.

بدوره، اعتبر مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، زياد الحموري، أن تقصير كنيسة الروم الأرثوذكس بالقدس هو سبب لخسارتها القضية.

وقال الحموري لـ"فلسطين":" القضية عمرها 14 عاماً وكان بالإمكان بذل جهد أكبر في المحاكم الإسرائيلية وتقديم الإثباتات بشكل مكثف"، مشيراً إلى أن تصريحات بعض المحامين الموكلين بالقضية عن الكنيسة من أنهم سيقدمون من الآن فصاعدا الوثائق الخاصة بالقضية أمر مقلق ويثبت أنهم لم يتعاملوا مع القضية بشكل جدي.

واعتبر أن الاحتلال كان يمكن أن يرضخ لقرار القضاء على مضض إذا ما كان موقف الفلسطينيين قويا، قائلاً:" كانت فرصة قوية للانتصار عليه داخل محاكمه وكان من المفترض ألا نقصر في اغتنامها وأن نبذل كل جهدنا لكسبها، ولكن للأسف كان هناك تقصير غير مبرر من قبل فريق الدفاع".

ملك الشعب

وأضاف أن سياسة الاحتلال في مصادرة العقارات المقدسية بكل الوسائل سواء التسريب أو التزوير أو وضع اليد مستمرة منذ احتلاله للمدينة المقدسة فهو لا يكل ولا يمل عن محاولة مصادرة تلك العقارات، لكن بعض القضايا استطاع الفلسطينيون كسبها من خلال المحاكم الإسرائيلية لأنهم بذلوا قصارى جهدهم لذلك.

وشدد على أن مصادرة العقارات المقدسية تأتي ضمن سعي الاحتلال لمحاربة الوجود المقدسي بالمدينة ، معتبراً أن تقصير جهات رسمية كالكنيسة في مكافحة هذه السياسة الإسرائيلية وفقدان المقدسيين لأي شبر أو حجر بالمدينة أمر مقلق جدا.

من جانبها شددت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على أن أملاك الكنيسة الأرثوذكسية "ملك للشعب الفلسطيني، فضلاً عن كونها وقفًا دينيًا لا يحق لأحد أن يتصرف بها أو يبيعها، في مخالفة فاضحة لإرادة أبناء الكنيسة وإرادة أبناء شعبنا".

وقالت في بيان: "لقد اتخذ أبناء الكنيسة قرارهم عندما أعلنوا إقالة البطريرك إيرينيوس باعتباره مسؤولًا عن جريمة البيع الممنوع، وما قرار المحكمة العليا إلا تحدٍ لإرادة شعبنا، وإرادة الكنيسة، وتغطية سياسية مكشوفة لعمليات تهويد القدس".

ودعت الديمقراطية السلطة الفلسطينية واللجنة التنفيذية إلى إيلاء هذه القضية الاهتمام الضروري وتوفير اللوازم الضرورية لكسر قرار محكمة الاحتلال، وضمان صون أملاك الكنيسة العربية وصون عروبة المدينة المقدسة وهويتها الوطنية.