إقرأ المزيد


​أبواب المقدسيين مفتوحة على مصراعيها

مذكّرات المرابطين في باب حطّة

فلسطينيون يؤدون الصلاة داخل الأقصى مجدداً (أ ف ب)
غزة - عبد الرحمن الطهراوي

في مطبخ منزلها الصغير، تتسابق (أم وئام) مع عقارب الساعة كي تنتهي من إعداد المقلوبة قبل انتهاء المرابطين أمام باب حطة المؤدي إلى المسجد الأقصى من ناحية الشمال من أداء صلاة الظهر.

تنادي على زوجها كي يحمل معها الوعاء الكبير المملوء حتى حافته بالأرز بما يضمن إطعام خمسين مرابطًا وأكثر، بعد لحظات تدخل ابنتها العشرينية حاملةً قفصًا خشبيًا فاض بالعنب والخوخ جهزته هو الآخر لذات الجهة، بينما نادت إخوتها الصغار كي يستعدوا لنقل هذا كله إلى هناك محاطين بدعوة أمهم الطيبة (الله يعمي عنكم عيون اليهود وأتباعهم).

في الطابق السفلي من بيت هذه السيدة الأربعينية كان الوضع كأنما إعصار مر، معدات تصوير كبيرة، وصحفيون اتخذوا من بيتها مقرًا لنقل أحداث الاعتصام مدة أربعة عشر يومًا قائمين نائمين فيه، فيما توزع شبان وصلوا البيت خفية عن أعين أفراد شرطة الاحتلال على الأرائك قاصدين قسطًا من الراحة قبل أن يعودوا ليكملوا الهتاف والصدّ عن شرف ثالث الحرمين الشريفين.

منزل (أم وئام) لم يكن الوحيد في محيط المسجد الأقصى المبارك الذي يفتح أبوابه أمام المرابطين الهابين لنصرة أرضه، بل غيره منازل كثيرة، سنتحدث عن بعض ما قدمته مع التحفظ على ذكر أسماء أصحابها كاملةً تفاديًا لأي ضرر.

في اليوم الأول

منذ أن بدأ الاعتصام يوم الرابع عشر من تموز/يوليو الجاري أمام باب حطة، قررت أم وئام أن تشارك ولو بأبسط ما يمكن أن يساعد المرابطين على الصمود، من خلال إعداد طعامهم وشرابهم، "عادةً هذا واجبًا فرضًا لا منة أو جميلًا".

تقول: "في تلك الجمعة، وبدلًا من وضع طعام الغداء الذي انهمكت في إعداده لأسرتي على الطاولة، أرسلته مع أبنائي إلى حيث يجتمع المرابطون، وتغدينا من حواضر البيت"، موضحةً أنها قررت الاستمرار على هذا طمعًا في الثواب من عند الله ودعمًا لقضية القدس.

وتزيد: "لغى زوجي دوامه في المحال التجارية، وابنتي كذلك لم تعد تذهب لعملها التطوعي في إحدى المؤسسات، ورابطنا في مطبخ البيت نحضر وجبات الفطور والغداء والعشاء لضيوف البيت من المرابطين، وللباقين حول المسجد الأقصى أيضًا".

كانت أم وئام تحضر الأكلات التي يتفق كل المقدسيين على عشقها، المقلوبة والفطائر وورق العنب، فيما كانت تنتظر على أحر من الجمر ما يخبرها به أبناؤها بعد العودة من دعوات المرابطين لها ولعائلتها بدوام العافية والصحة والصمود.

نصر اجتماعي

جار منزل عائلة أم وئام، أبو سعد يقول بدوره لـ"فلسطين": "كل مقدسي هنا، ومع أول لحظات الاعتصام حمل على عاتقه هم القضية، بل شعر بأنه يتحمل أعباء أهل القدس كلهم.. كل واحد فتح أبواب بيته الصغير الذي بالكاد يتسع لأهله على مصراعيها ترحيبًا بكل المرابطين المحتمين فيه، وأوعز لنسائه بضرورة تحضير كل ما يمكن من زاد لهم تعزيزًا لصمودهم، ونصرًا لغايتهم".

ويؤكد أبو سعد أن نصر أهل القدس كان نصرًا على كل الصعد، لكن ما يميزه هو الطابع "الاجتماعي" الرائع الذي أحاطه بهالةٍ لا تتكرر من الصمود والأنفة، حيث تعززت العلاقات بين العائلات المقدسية، وانسدت الأبواب في وجه كل محاولات الاحتلال زرع المفاسد والفتن الطائفية والحزبية بينهم، معقبًا: "شبكوا أياديهم وتوحدوا، هذا كله مقابل خسارة إسرائيلية واسعة على الصعد السيادية والأمنية.. لقد أثبتت الأيام الماضية أن الجندي الإسرائيلي هيكل منفوخ بالهواء وحسب".

أطفال أبو سعد الصغار (6 أعوام) و(8 أعوام) كانوا يصرون على المشاركة في دعم المرابطين رغم خوف والدهم الشديد عليهم من رائحة الغاز وأدخنة القنابل وطيش الرصاص، فيردف: "كانوا يقفون أمامي كالمسامير عندما أود الخروج لنقل الطعام، فيطلبون مني المجيء مرارًا بل إن الواحد منهم كان يبكي طمعًا في موافقتي لشدة حماسه، فلم يكن أمامي في النهاية إلا تسليمهم زجاجات الماء البارد، وأرغفة الخبز لمساعدتي في توزيعها هناك".

يردد الرجل الثلاثيني: "الحمد لله، أسأل الله أن يعطينا ثواب ما قدمنا، ولو طلب الأقصى أرواحنا لن نقصر.. في القدس رجال تتمنى الموت على ثراها".