ماذا فعل "إسماعيل" بلعبته ومصروفه اليومي؟

غزة - شيماء العمصي

صوتُ إطلاق نار متواصل يُسمع من جهة الشرق, يقابله صوت الأناشيد الثورية تصدح عاليًا "لا ما ننسى أراضينا.. يا رب اشهد علينا.. إحنا بالزحف مشينا.. إحنا إحنا راجعين..", يتخلل هذين الصوتين ركضُ الشباب الثائر حذرًا من أن تصيبهم رصاصات جنود الاحتلال المتمركزين خلف السياج الفاصل على الحدود الشرقية بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948، ويقطع هذا المشهد صوتٌ ثالث اعتاد المشاركون على سماعه، إنه صوت سيارات الإسعاف تتهيأ لنقل إصابتين في المكان.

انتزاع لقمة العيش

وليس بعيدا ينتشر الباعة المتجولون الذين وجدوا في ذلك الحراك السلمي وتجمع الناس بشكل يومي فرصة لكسب أرزاقهم وقوت عائلاتهم, منهم باعة الفلافل والمشروبات الباردة, والمسليات وغيرها، يشاركون في مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار حالمين بالعودة من جانب، وآملين برزقٍ جيد من جانب آخر في إطار سعيهم لمواجهة مشكلات الحصار وما سببه من أوضاع اقتصادية صعبة يعاني منها الفلسطينيون في القطاع.

أعد رامي عيدو (28 عامًا) "بسطة" وضع عليها علبة كبيرة مليئة بـ"البراد الأصفر", وبجوارها أكواب بلاستيكية بأحجام مختلفة، وكان أبناء منطقته قد سبقوه إلى الحدود الشرقية, وأخبروه أن المنطقة تفتقر للباعة, وأن الناس يحتاجون إلى ما يعينهم على قضاء أكبر وقت هناك، فقرر أن يأتي ببسطته.

يقول لـ"فلسطين": "أنا لاجئ، وأحلم أن أزور قريتي, واليوم أحلم أن أستعيدها, وأنا على يقين بأننا عائدون لها, وجئت اليوم لأشارك أهلي وأصدقائي في مسيرات العودة، فنحن نحاول أن نصنع واقعا جديدا نفرضه على الاحتلال"، مضيفا: "اخترنا أن ننزع لقمة عيشنا من هنا، من بين رصاص القناصة وسحب الغاز المسيل للدموع".

مشتريات الطفل

وبينما أتجول بين الباعة أراقب الناس يشترون منهم، شدتني همّة طفل يركض بسرعة نحو الباعة الموجودين بالقرب من الخيام, يشتري علب مشروبات غازية، لكن الأمر لم يكن مجرد عملية شرائية، يدفع فيها الطفل المال ليستمتع بما يشتريه.

في العادة، يلعب الطفل بالطائرة الورقية، وبمصروفه يشتري ما يشتهيه ليتلذذ بطعمه، لكن "إسماعيل" سخّر لعبته ومصروفه لهدف آخر تماما.

كان يفرغ العبوات مما بداخلها, ويجففها جيدا, ثم يضع فيها بعضًا من الجير (الشيد) وماء النار ثم يربطها في ذيل طائرة ورقية قام بصناعتها هو وفريق معه, ثم يطيرها عاليًا في الجهة الأخرى من السياج الفاصل باتجاه الأحراش, ثم يقطع حبلها فتسقط فوق حقول القمح الجافة والأحراش المحيطة بـ"الكيبوتسات" شرق السياج، فتشتعل نارًا.

يقول إسماعيل (14عامًا): "وجودي هنا وثورتي على المحتل ومشاركتي في المسيرة تعبيرٌ عن رغبتي بالعودة لبلادي وبلاد آبائي وأجدادي".

ويضيف لـ"فلسطين": "أمس كنت أنا وكل عائلتي هنا, من صغيرنا حتى كبيرنا, نهتف بأعلى صوتنا: (نموت وتحيا فلسطين), وكنا نرفع الأعلام الفلسطينية في السماء، واليوم قررنا أن نقاوم باستخدام الطائرات الورقية".

صديقه محمد (13 عامًا) الذي كان يساعده في جمع العلب الفارغة وصناعة ما يطلق عليه الفلسطينيون اسم "المولتوف"، يقول لـ"فلسطين": العودة لبلادنا، والتمتع بالعيش فيها حق لكل فلسطيني, والأهم من كل هذا العودة لقدسنا، العاصمة الأبدية".

تعجبت من وجود طفلة بالقرب منهما, ممسكة في يدها علم فلسطين, وضفائر شعرها تنسدل على ظهرها, ويبدو أنها لم تتجاوز العاشرة من عمرها, كانت تريد أن تربط العلم في الطائرة الورقية, وتقول: "نحن الأطفال نعلم ما هو حق العودة, لهذا يجب على العدو أن يعرف من هم أشبال فلسطين".

تحفظ الطفلة شيئًا من قصيدة للشاعر العباسي ابن الرومي، ومنها اختارت بيتًا ليكون رسالة للاحتلال: "ولي وطن آليت ألا أبيعه .. وألا أرى غيري له الدهر مالكا".

و"الطائرات الحارقة" وسيلة فلسطينية جديدة، ابتكرها المشاركون في مسيرة العودة، وأطلقوا عليها اسم "طائرات الزواري"، في إشارة إلى العالم التونسي محمد الزواري الذي صنع طائرات الاستطلاع لكتائب الشهيد عز الدين القسام.