إقرأ المزيد


ماذا بعد القرار الدولي المناهض للاستيطان؟

عبد الله العقاد
سبت ٢٤ ١٢ / ٢٠١٦

(1)

ليست سابقة، ولكنها إضافة مهمة أنّ المشروع الإحلالي الصهيوني (الاستيطان) يتم تجريمه مجدداً وفق قرار دولي (2434)، بعد 37 سنة من جملة قرارات دولية (465، 476، 478) تم استصدارها عام 1980 في ذات الشأن.

غير أنّ هذه القرارات على أهميتها في تأكيد الحق الفلسطيني وتأييده، تبقى -بكل أسف- حبراً على ورق، في ظل رغبة الدول الكبرى دائمة العضوية في إدراج هذه القرارات تحت الفصل السابع الذي لا يَحمل المُعتدي بالقوة العسكرية الملزمة بمقتضى ما جاء به القرار الدولي.

(2)

وبرسم السؤال نعود للتعليق حول هذا القرار المهم الذي تم استصداره بجهود دبلوماسية من الدول الأربع (فنزويلا وماليزيا والسنغال ونيوزيلاندا) وهي من حملت القرار بعد أن سحبته مصر بشكل نهائي، في سابقة قد لا تكون الأخيرة لتلقي باللائمة والخيبة عليها..

فماذا كشف قرار (2434) الذي أقـرّه مجلس الأمن في ليلة 23 كانون أول- ديسمبر 2016؟

نعم، جاء هذا القرار بموافقة (14) صوتاً، أي كل أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين باستثناء أمريكا التي اكتفت بالامتناع عن التصويت.

وفي امتناع أمريكا (التحفظ) دون الاعتراض فيه دلالات سياسية مهمة يُقرأ منها.. انزعاجها من سياسة الاستيطان الهمجي المتزايد بشكل يعدم فرصة الحل القائم على الدولتين الذي تعوّل عليه الإدارة الأمريكية في إنهاء الصراع في الشرق الأوسط.

وبالتالي لا يبقى من حلٍ في نظرهم يمكن طرحه غير حلّ الدولة الواحدة ثنائية القومية، وهذا ما تجد فيه أمريكا تصفية لجوهر المشروع الصهيوني كأداة استعمارية ما زالت ترى فيه بهذا الشكل الكولونيالي المتوحش ما يرعى مصالحها في المنطقة ويحفظها.

لذلك؛ في تقديري لم تستخدم أمريكا حق النقض (الفيتو) الذي لطالما تعسفت في استخدامه بأكثر من (30) مرة لصالح الكيان العبري (إسرائيل) من مجموع (77) مرة استخدمت فيها هذا الحق الذي فرضته الدول الكبرى لها بقوة الهيمنة والنفوذ فقط.

(3)

أما عن موافقة بقيّة الدول الكبرى على هذا القرار الذي يكشف مشاريع الاستيطان التي تجري على قدم وساق في الضفة الغربية وشرقي القدس، للملاحقة الدولية ويفقدها من أي حق إلا بما يتوافق عليه الطرفان.

فإنّه يعكس رغبة هذه الدول في فتح نافذة أمل بالحل السياسي للقضية الفلسطينية، بعيداً عن اللجوء للقوة (المقاومة المسلحة) التي لم تستطع دولة الكيان (إسرائيل) بما أوتيت من دعم وإسناد من إنهائها أو إضعافها وفشلها في الحروب الثلاث الأخيرة في ذلك.

كما عجزت دولة الكيان (إسرائيل) أن تخرس الفلسطيني عن مطالبته بحقه في تقرير مصيره على أرضه المغتصبة، بعدما عجزت عن اقتلاعه منها.

ولهذا؛ فقيادة العالم بدأت تُدرك أنّ معركة الاحلال العنصُري بالتغيير الديمغرافي القائم على فرض الواقع بالقوة المتجبرة إنها لمعركة خاسرة، كيف ذلك؟!

أجل، ومع اقتراب التساوي في العدد داخل فلسطين التاريخية بين المستوطنين الأغراب الوافدين ومن تبقّى في الأرض الفلسطينية من أهلها الحقيقيين، في الوقت الذي لا يغيب عن هذه الدول أنّ مَعين الزيادة المصطنعة للمستوطنين الصهاينة يُشرف على النفاد في ظل واقع محدودية العدد الكلي لليهود في العالم، وقد جعلوا منهم جوهر المشروع الاحتلالي الصهيوني.

ناهيك عن تراجع القناعة لدى الكثيرين من يهود العالم في الهجرة إلى فلسطين، وقد بدأت في الظهور حركات دينية يهودية لعل أبرزها (يهودا كارتا) تُجرم الكيان الصهيوني، وتعتبره مارقاً على الديانة اليهودية، بل تجد فيه زجًا بالدين لخدمة مصالح استعمارية بحتة ليس لليهود مصالحة في معاداة من آووهم وكفلوا لهم حقوقهم على مدى قرون.

وفيما بدأت الهجرة العكسية تُشكل لهؤلاء الوافدين ظاهرة تتسع مع كل مواجهة مع الفلسطينيين وأنّ فلسطين لم تعد تفيض إلا بالموت للمحتلين الأشرار، وأن لبنها وعسلها ليس له مقابل إلا حياة يحرصون عليها كأشد ما يُحرص عليه..!

(4)

لكن، ومن الجهة الأخرى فإنّ هذه الدول تجد في الزيادة السكانية في الجانب الفلسطيني حقيقية وطبيعية وهي مستقرة في اضطراد مستمر؛ وذلك لأنها منسجمة مع ذاتها وكينونتها على هذه الأرض التي تجد فيها حقا تؤكده عقيدة.

وهذا ما يضع المشروع الاستعماري الصهيوني برمته في فلسطين أمام خطر وجودي، يتعذر معه بقاء هذا الكيان (إسرائيل) في وسط هذا المحيط العربي، والواقع الفلسطيني المتعزز بقوة الحق والزيادة في الميزان الديمغرافي.

لذا فإنّ الأخذ على يد هذه الربيبة المصطنعة (إسرائيل) وقد أعماها تعنت حكومة المستوطنين فيها، وزيادة نفوذ غلاة المتطرفين الدينيين والقوميين إلى الحد الذي بدأت تحفل بهم كل مؤسساتها الاستراتيجية (الأمنية والعسكرية).

(5)

ولعل هذا التطرف العنصري الصهيوني، وما يصاحبه من تعنت مستمر في انتهاك الحقوق الفلسطينية، هو ما يجب أن يُلتفت إليه عند قراءة البند السادس، والذي يدعو إلى منع جميع أعمال العنف ضد المدنيين بما فيها أعمال الإرهاب..، من بنود هذا القرار الـ(13).

فإنّ مقاومة الاستيطان بكل الوسائل المشروعة حق مكفول، وإنّ سلطة الاحتلال هي من تتحمل المسؤولية الكاملة جرّاء إقامة البؤر الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967، وهذا في حد ذاته يعدّ جريمة يُفترض أن يعاقب عليها القانون الدولي، وهو كذلك إمعان في ممارسة العنف وإرهاب الدولة.

إذًا، القرار يحتاج إلى إرادة صادقة وعزيمة قوية في مواصلة إجلاء الاحتلال وملاحقته؛ لاقتلاعه من أرضنا المغتصبة، وعودة أهلها المُهجّرين إليها؛ كي نقرر مصيرنا في دولة كاملة السيادة.

[email protected]