​رفيقان من ذوي الإعاقة الحركية يهزمان البطالة

ما ينقص عصام يكمله إبراهيم في التعامل مع الـ"cnc"

المشروع ينفذ التصميم والحفر والرسم على الخشب
غزة/ يحيى اليعقوبي:

شكل مفرغ لفتاة تقف على قدم واحدة ضامة القدم الأخرى للخلف، بشعرها المتطاير ترفع يدها محاولة ملامسة ست نجوم تعلوها، بجانبها شكل قلب مفتوح يتوسطه اسم "مارية"، هذه ليست لوحة فنية بريشة رسام، بل تصميم لصورة جدارية تعلق على حائط، يسابق الشاب عصام الشوا (33 عامًا) من ذوي الإعاقة الحركية الزمن لتجهيزها على شاشة الحاسوب، مستخدمًا برنامج "كورل درو".

كريشة فنان يحرك الشوا -وهو خريج بكالوريوس "محاسبة" متزوج ولديه طفلة- مؤشر الحاسوب، متنقلًا بين تلك الخطوط ليشكل اللوحة السابقة بأناقة شابهت الصورة التي أرسلها الزبون وحاكاها بدرجة كبيرة.

وقبل أن يبدأ بهذا التصميم كان قد أرسل تصميمًا لـ"مضيفة" تستخدم لتقديم الحلوى والقهوة للضيوف في الأعياد والمناسبات، مكتوب عليها عبارة ترحيبية: "أهلًا وسهلًا"، لماكنة "cnc" التي تستخدم للحفر والرسم على الخشب والبلاستيك.

انتهى من التصميمين وفتح دفترًا على طاولة مكتبه، واطلع على الأعمال المطلوب إنجازها؛ كانت بجواره "مضيفة" أخرى انتهى من تصميمها أخيرًا تحتاج إلى تركيب وطلاء، وعلى مكتبه أيضًا مفتاح يشبه مفتاح العودة بلمسات جمالية وعصرية، مغلف بظرف هدايا بألوان براقة لتقديمه للزبون، وحوله العديد من الآلات والأشكال الخشبية المختلفة.

ورشة وعربتان

على مدخل ورشة الشابين "الشوا وإرحيم" المكونة من حاصلين، تقف عربتان أمام كل حاصل، يستخدمهما الاثنان بالحركة والتنقل من الورشة وإليها، في الجزء الأيمن من المدخل يجلس الشوا على مكتبه لتصميم الطلبات وإرسالها إلى الحاسوب المتصل بماكنة "cnc"، وفي الحاصل الآخر الذي يفصله عن الأول حائط باستثناء باب داخلي للتواصل، يكمل زميله إبراهيم إرحيم رفيقه في هذا المشروع، الذي يعملان به منذ ست سنوات، والمسمى cnc" creative"، وهو من ذوي الإعاقة الحركية؛ مهمة تنفيذ التصميم والحفر والرسم على الخشب.

انتهى الشوا من التصميم بنجاح، تفقد الرسائل على صفحة المشروع في "فيس بوك"، التي يعرضون عليها صورًا لأعمالهم المتنوعة، فمعظم الطلبات تأتيهم من طريق الصفحة.

وقال لصحيفة "فلسطين" بعد أن أسند ظهره إلى الكرسي: "بدأنا مشروعنا قبل ست سنوات، وكنا من أوائل من عمل في مجال المهن الحرفية من ذوي الإعاقة (..) نواجه صعوبات لكونها تحتاج لجهد بدني، لكن تغلبنا عليها بالتعاون معًا".

اختار الشوا جانب التصميم لكونه لا يستطيع الوقوف طويلًا على قدميه نتيجة إعاقته، في حين يعمل إرحيم على الماكنة لكونه أفضل حالًا من رفيقه ويستطيع الوقوف مدة أطول، وهكذا أكمل الاثنان ما ينقصهما، وكأنهما بهذا الاتحاد جسد واحد يكمل أحدهما الآخر.

يقلب صورًا وأعمالًا مختلفة صممها أخيرًا، توقف عند إحدى اللوحات، وأضاف: "يهمنا أن يأخذ الزبون المنتج ويكون راضيًا، قد يأتينا ومعه تصميم أو يختار تصميمًا مما نعرضه عليه، وبعد الموافقة ننفذ الطلب على برنامج التصميم "كرل درو" ثم يحول التصميم من صورة إلى رقم لأن الماكنة تقرأ أرقامًا وليست صورًا عبر برنامج (ماستر كام)".

أوقفته برهة وسألته: "هل الأشكال قوالب (تصميم جاهزة) أم رسومات؟"، أجاب قائلًا وهو يحرك مؤشر الحاسوب: "هذه رسوم أرسمها على الحاسوب (..) طورت نفسي بالرسم هذا بعد أن انخرطت بمشروع "إرادة" التدريبي مدة ثلاثة أشهر لذوي الإعاقة، وهكذا نميت موهبة بالرسم بعد ذلك".

تحدي البطالة

وكانت الإعاقة الحركية رافقت الشاب إبراهيم إرحيم منذ ولادته، يغوص في أعماق ذاكرته، وهو يضع يده على مؤشر الحاسوب، وقال: "عندما ولدت عانيت نقصًا في الأكسجين، ما تسبب لي بشلل دماغي وتشنج، لكنني واصلت تحدي الحياة وتخرجت في جامعة الأزهر بتخصص إدارة أعمال باللغة الإنجليزية".

"لماذا لم تعمل بتخصصك؟"، يرد بنبرة صوت بدا عليها الثقة بالنفس على سؤالنا: "لأسباب عديدة، منها انحسار الفرص وتفشي البطالة، فلجأت إلى هذا المشروع لرفضي أن أكون اسمًا ضمن كشوفات سجلات الشؤون الاجتماعية (..) اليوم نعاني ضعف الإقبال من الزبائن أحيانًا بسبب الوضع الاقتصادي، فالناس تبحث عن الأشياء الأساسية وعملنا يتعلق بالكماليات".

"لدينا مشكلة لعدم إعفائنا من الضريبة حسب القانون" انتهى حديثه، وأعطى أمره للماكنة، ووقف على قدميه لمتابعة التنفيذ.

كصوت طائرة الاستطلاع، وحركة "روبوت" آلي انطلقت الآلة في ثقب اللوح الخشبي وحفره، والدوران بحركات سريعة، يحرك إرحيم يديه بجانب "إبرة" الماكنة السريعة وحولها وهو يزيل الغبار الناتج عن الحفر، مطمئنًا أنها لن تصيبه، وكأنهما يعرفان أدوارهما، فهي لا تتخطى مساراتها المحددة لها حسب الشكل، وهو يعرف حركاتها حسب تقديره للتصميم، وتخيله على الشكل.

انتهت الماكنة من حفر الجزء الأول من المضيفة كلمة: "أهلًا وسهلًا"، وسرعان ما انطلقت وحفرت يد المضيفة، ثم حفرت أرضيتها الدائرية يتوسطها شكل نجمة سداسية، وحوله دوائر صغيرة مخصصة لحمل فناجين القهوة.

وما إن شارفت الماكنة على الانتهاء سألناه إن أصيب؟ ابتسم قائلًا بلهجة عامية: "أحيانًا بتخبطك شقفات خشب"، وضع يده على صدره: "مرة عملتلي زراق هان، بعدما ضربتني شقفة خشبية بسبب الاندفاع القوي".