​ما بعد عباس.. إعادة تدوير الاحتلال

حازم عياد
السبت ٢٤ ٠٢ / ٢٠١٨

بعد انتهاء الرئيس محمود عباس من إلقاء كلمته أمام مجلس الأمن يوم الثلاثاء، انسحب من الجلسة ليفجر غضبا أمريكا وإسرائيليا؛ فالمندوب الصهيوني قال في تعليقه على مغادرة الرئيس "أبو مازن" للجلسة إنه «انتهى»؛ عبارة تحمل الكثير من التهديد والوعي لرجل تجاوز ثمانين عاما.

المرحلة الجديدة لما بعد حقبة الرئيس محمود عباس تثير الكثير من القلق والتوتر دافعة اطراف المعادلة إلى التفكير الجدي بالمرحلة التي تتبع غياب الرئيس الفلسطيني؛ باعتباره عراب أوسلو بل المتزعم للحل المرحلي والسلمي منذ العام 1968 والذي تبلور في العام 72 وتم إقراره في العام 77- 78، ولعل هذا التوتر وذلك القلق بات بالإمكان تلمسه من خلال التخبط الحاصل في المشاريع والصفقات السياسية المقترحة أمريكيا.

وللدلالة على أهمية الرجل، أشير إلى احد التعليقات اللافتة للانتباه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» لمواطن أمريكي داعم للوبي الصهيوني، ففي تعليقه على خبر نقلته صحفية أمريكية تعد مناصرة بقوة للكيان عن خطاب عباس في مجلس الأمن قوله «هذا هو الرجل الذي بشرتم به وروجتم له منذ السبعينيات من القرن الماضي!»؛ ذلك أن أبو مازن كان رقما مهما ولافتا للانتباه للدوائر الأمريكية منذ تلك الحقبة والرهان على دوره السياسي وتوجهاته البراغماتية كانت عالية جدا؛ تم استثمارها بقوة في التسعينيات من القرن الماضي، وبعيد وفاة الزعيم الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات.

محمود عباس أدرك أن العملية السلمية التي كرس حياته لها منذ سبعينيات القرن الماضي إلى الآن وصلت إلى طريق مسدود، ورهانه على الأمريكان بات سرابا وصحراء مقفرة، ورغم ذلك فإنه لم يتخل عن خطابه السياسي التقليدي مع نزعته الواضحة بالتحذير من السياسة الأمريكية التي لم تلتزم بتعهداتها رغم التزام عباس وأنصار تيار ما سمي بالسلام، ومِن ورائهم الفلسطينيون، بأوسلو حتى عام 1999 وما بعده (مشروع دايتون).

النقاش حول مستقبل السلطة ما بعد محمود عباس بات اكثر جدية الآن، ليس فقط بسبب انهيار العملية السلمية بل لأن الرقم المهم والعراب والمنظر لهذا التوجه في الساحة الفلسطينية بلغ من الكبر عتيا، وبات اكثر عنادا واكثر تشاؤما من إمكانية الوصول إلى حل سياسي بالأدوات السلمية، مستنبطا النتائج المترتبة على ذلك بعقلية الباحث والاكاديمي لا بعقلية السياسي وصانع القرار.

الشعور بنهاية هذا النهج لم يقتصر على الرئيس الفلسطيني عباس إنما نجد لها ترجمة في تصريحات كبير المفاوضين صاحب المقولة الشهيرة «الحياة مفاوضات» صائب عريقات بقوله إن «الرئيس الحقيقي للسلطة هو ليبرمان».

في خضم هذه الحالة لم تتمكن الفيدرالية الأمريكية والكيان الإسرائيلي من فرض كامل شروطهما وتصوراتهما على السلطة، سواء من خلال صفقة القرن لإعادة ترتيب أوراق الاحتلال وهيكلته أم إعادة تدويره التعبير الأدق عن الجهود الصهيونية والأمريكية القائمة. كما لا يبدو في الأفق أن الدول العربية الصديقة والمتعاونة والمتحالفة مع أمريكا قادرة فعليا على إنتاج حالة فلسطينية تمثل امتدادا لنهج التفاوض اللانهائي، لم تنجح الجهود نتيجة الخلاف والتنافر بين الدول العربية، وهزالة البدائل السياسية المقترحة في تقديم بديل ولو مرحلي لحقبة ما بعد الرئيس محمود عباس.

لعل هذا ما دفع مسؤول العلاقات الدولية في حركة حماس إلى القول: «نُعد لمرحلة ما بعد عباس ودحلان ليس خيارنا»، كما أنها تفسر تصريحات أبو مرزوق من المصالحة التي حمل فيها الرئيس عباس مسؤولية التأخر في تسريع خطوات المصالحة التي بدت اكثر من قبل مرهونة بقدرة قيادة السلطة في رام الله على طرح بدائل ممكنة للرئيس عباس، لتوحي بأن الرئيس يرغب في نقل الملف للرئيس القادم ليستثمر في الأوراق التي يمتلكها لتعزيز مكانته في السلطة ولتسريع خطوات المصالحة كإنجاز ممكن للمسؤول الجديد.

في كل الأحوال لم تعد مسألة خلافة الرئيس عباس قضية من الممكن نقاشها في الغرف المغلقة، فهي الآن تطفو على السطح باعتبارها القضية الأهم، وفي ضوئها ستقرر الكثير من الحقائق والتغيرات وسيحدد المسار العام الذي سيتطور فيه ملف القضية الفلسطينية فهي معركة تقرع أبواب البيت الفلسطيني بقوة وإلحاح.