إقرأ المزيد


مصور فلسطيني يعيش في ألمانيا

مع الطبيعة عرف "باسم اليوسف" أن العدسة ليست أهم من العين

برلين / غزة - خاص "فلسطين"

بفعل نصيحة من صديقه محمد عيتاني، دخل الفلسطيني باسم اليوسف عالم التصوير من باب الطبيعة، ليوقظ بذلك موهبة نائمة لم يكن على علمٍ بها من قبل، ففي أربع سنوات خلت حمل فيها الكاميرا طوّر مهاراته كثيراً، وفاز في مسابقة "أفضل مائة مصور عربي" مرتين في عامي 2015 و 2016، التي ينظمها موقع "عرب بكس" الشهير؛ كما أن بعض أعماله أخذت صوراً لأغلفة كتب لكاتب هولندي؛ وغلاف ألبوم موسيقي لعازف بريطاني.

مصور بالفطرة

لم يكن التصوير، بالنسبة لضيفنا، أكثر من وسيلةٍ لتوثيق ذكريات العائلة، إلى أن نصحه صديق مصور باقتناء كاميرا ، ومن هنا كانت البداية، وقد كان ذلك قبل أربع سنوات تقريباً، في ألمانيا، حيث يقيم.

ولأن اليوسف من "عشّاق الطبيعة"، كما يصف نفسه، فكان من البديهي أن يصوّب عدسته نحوها، ويتعمق في التصوير ضمن فئة "لاند سكيب" التي تُعدّ من أصعب فنون التصوير.

يقول لــ"فلسطين": "بطبيعة البشر في داخل كلٍ منا طاقة كامنة، وأحاسيس خفية، حتى صاحبها لا يتمكن من ترجمتها، ولكن التصوير ترجم لي تلك الأحاسيس وأخرج طاقة ما كانت بداخلي، مما جعلني أرى الطبيعة بشكل أجمل وأتأمل تفاصيلها أكثر، حتى أنني بت أترجم الضوء وحركته، وأتخيل خلف كل مشهد حكاية، فالكاميرا قدمت لي رؤية مختلفة لكل ما يحيط بي، وجعلتني أتمتع بما حولي على نحوٍ لم أتوقعه".

ويضيف: "ممارستي للتصوير رسّخت لدي قناعة بأن الموهبة فطرية، وأن المعاهد والدورات لا تصنع من الشخص مصورا، إلا اذا كان مصوراً بالفطرة، وحسّه الفني عالي، وكذلك فالمعدات الباهظة لن تجعله يلتقط صورا جميلة، بل عينه هي الأساس، ورؤيته هي الأصل؛ فالعدسة ليست أهم من العين".

وإن كانت الموهبة أمر فطري، فهي تمنح متقنها الفرصة لاكتساب بعض المهارات، وفقا لتجربة اليوسف، فالتصوير علّمه الصبر بالدرجة الأولى، وتليه أمور أخرى، منها: "القدرة على رؤية المشاهد بمنظور خاص، بل حتى ترجمة ما حولي إلى قصص بصرية، وقد حرّكت الكاميرا في نفسي أملا جديدا، وطموحا كبيرا أسعى إلى تحقيقه".

أن يكون مختلفًا

الطبيعة هي ذاتها، والمصورون كثر، فكيف تتميز صورة عن أخرى حتى وإن كانت لنفس المكان؟ يجب اليوسف: "كي يتميز المرء، عليه أن يكون مختلفاً، فتكرار المشهد دون رؤية جديدة للمكان تفقد العمل أهميته، لذا أحاول أن أكون مختلفا قدر الإمكان، لأُبعد المُتلقي عن التكرار الممل، أفعل ذلك من خلال التحكم في الإضاءة، وبهذه النقطة اللافتة يمكن جعل العمل مختلفا"، مشدداً على أهمية السفر، فهو أصل من أصول التصوير، حسب وصفه، وقد زار العديد من البلدان، منها أسبانيا وإيطاليا وفرنسا والدانمارك وتركيا وفلسطين والنمسا.

الطبيعة ليست مشاهد خلابة فحسب، بل في الأمر صعوبات ومغامرات، وعن ذلك يوضح اليوسف: "تصوير الطبيعة من أجمل أنواع التصوير، ومن أكثرها راحة للنفس، لما فيه من مغامرة ومشقّة ومتعة، خاصة لمن يعشق الطبيعة ويعرف كيف يستمتع بجمالها".

يضحك وهو يروي لــ "فلسطين" هذا الموقف؛ فذات ليلة، في ألمانيا، وأثناء محاولته هو وصديق له تصوير السماء في ظلام حالك، هاجمهما خنزير بري، وكان الخطر المحدق بهما كبيرا حينها، وفي جبال الألب، وشمالي إيطاليا، اضطر لتسلق بعض لصخور، وللنزول في منحدرات خطرة، ومع ذلك كانت المتعة حاضرة.

وفي تصوير الطبيعة، استشعار لعظمة الله أيضاً، فضيفنا يقول إن إجادته لهذا الفن يجعله يذكر الله في كل لحظة، مسبحاً لما يراه من جمال خلقه، وبلغ استشعار هذه العظمة ذروته عندما جلس على ضفة بحيرة، ذات يوم وقت شروق الشمس، فهي تشرق من خلف الجبال، والغيوم تحيط به، بينما هو يستمع للقرآن الكريم عبر هاتفه النقال؛ فالروح تصفو أمام البحيرات والقرى المتناثرة على سفوح الجبال.

ولتصوير المدن متعة خاصة ومميزة، بحسب اليوسف، إذ يبين: "المصور سينظر للمدينة بشكل مختلف عما يراه الناس، سيدقق في الزوايا والارتفاعات والضوء، إلى جانب التاريخ والحضارة والتراث، وقد يكون أصعب من تصوير الطبيعة لاختلاف الجو في المكان نفسه، فمثلاً الإضاءة مختلفة في نفس المكان بشكل كبير".

وعلى ذكر المدن، فقد كان التجول في المدن الفلسطينية وتصويرها حلما تحقق مؤخراً، يقول عن رحلته: "كلها إبداع، خاصة في القدس وعكا، فيهما حكاية تاريخ، حتى أنني أرحت عدستي حتى لا أحرم نفسي متعة النظر الى الأماكن، وأظن أن عزوفي عن التصوير سيتكرر، ولو بدرجة أقل"، مضيفا: "إذا استثنينا متعة تصوير المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فهناك الحارات القديمة الاكثر من رائعة، فيها عبق التاريخ وجماله منتشران بشكل يجعل منها واحدة من أجمل العواصم التي زرتها، وفي زياراتي القادمة للقدس سأجعل للحارات والأسواق القديمة حصة أكبر في التصوير".

ومن المدن الأوربية التي تحتل مكانة في قلبه البندقية أو ما يعرف بـــ "فينيسيا"؛ يقول عنها: أسميها "المدينة الحلم"؛ ففيها تاريخ وأقنية جميلة في حارات قديمة؛ أجواء تعيدك قروناً الى الوراء؛ خيوط الشمس تدخل بين المباني القديمة لتعكس ألوان باهرة على المياه لتنقلك الى عالم الأحلام؛ البندقية تلهم المصور كما الرسام والشاعر".

وفي سنوات التصوير الأربع، ثمة صور التقطها اليوسف وحازت مكانة كبيرة عنده، وشكّلت مصدر فخر له، وأكثرها أثراً في نفسه، صورة لفتاة تقف على سكة قطار، وتعزف على الكمان، يقول عنها: "تركت أثرا كبيرا في نفسي لما فيها من معاني، لا سيما أني بذلت جهداً في التحضير لها، ولأني خفت الفشل في التقاطها كوني كنت مبتدئا، هذه الصورة كانت في مخيلتي منذ سنين، وكنت أحلم بالتقاطها فعلا، لذا الاستعداد النفسي سبقَ التقني".

يهتم اليوسف كثيرا بمعالجة الصور عبر برامج الحاسوب المختلفة المخصصة، ولا يجد حرجا في هذا الأمر الذي يرفضه البعض، ويبين: "الكثير من الأسماء العربية المعروفة في عالم التصوير تعتبر معالجة الصور عيبا، وهذا ما أراه خطأ كبيرا، ذلك لأن معالجة الصور هي مكملة للتصوير، وهي الإضافة الجميلة للعمل، فلا يوجد مصور عالمي إلا ويعالج صوره بشكلٍ أو بآخر، والمعالجة أصبحت فناً بذاته".

يعشق أعمال المبدع الفرنسي serge Rameli ؛ و يرى أن العالم العربي حافلٌ بالشباب المبدعين في التصوير لا سيما العراقيين؛ معرباً عن فخره بنقل خبرته لهم عبر الدورات التدريبية التي يعقدها في أحضان الطبيعة وسط أجواء من المرح بين المشاركين؛ حيث يستعد حالياً لعقد دورة في شمال إيطاليا.

حتى اللحظة ما يزال التصوير هواية يستمتع اليوسف بممارستها، ويسعى لتطويرها ليجعلها عملا أيضا؛ ويختم حديثه الشيق."ستأخذني طموحاتي إلى ما لا نهاية، فكلما وصلتُ إلى مكان، أرسم درباً لمكان أبعد؛ والواضح عندي أني أسعى لرفع اسم فلسطين عالياً عبر أعمال مميزة.

مواضيع متعلقة: