​ليث أبو نعيم.. يتيم ووحداني أعدمه جندي إسرائيلي!

ليث أبو نعيم
غزة - يحيى اليعقوبي

وحيد لأمه التي توفيت وهو بعمر ثلاث سنوات نتيجة إصابتها بمرض السرطان، عاش وحيدًا مع جدته التي تكفلت بتعويضه حنان الأم ومرارة الفراق، أحبَّ الرياضة وكان يحلم أن يكون لاعب كرة قدم يمثل المنتخب الفلسطيني، ليث أبو نعيم فتى في السادسة عشرة من عمره من بلدة المغير شمال شرق رام الله، أعدمه جندي إسرائيلي الثلاثاء الماضي في مشهد يعكس الطغيان الذي وصل إليه جنود الاحتلال.

كان ليث يلعب كرة القدم مع رفاقه في ساحة بلدة المغير، وبشكل مفاجئ اقتحمت أربعة جيبات عسكرية إسرائيلية البلدة وتوقفت قبالة هؤلاء الفتية بعد استفزازهم من قبل هؤلاء الجنود، لينزل جندي إسرائيلي ويطلق طلقة واحدة على وجه ليث اخترقت عينه واستقرت بالرأس من مسافة مترين، وظل ذلك الجندي واقفًا عند رأس ليث حتى تأكد من استشهاده وغادر، وسط ذهول وصدمة من أصدقاء الشهيد الصغار، الذين لم يصدقوا أن ما شاهدوه هو واقع وليس في عالم الخيال.

بداية القصة

الثلاثاء 30 يناير/ كانون الثاني الماضي، حينما أشارت عقارب الساعة إلى العاشرة وعشر دقائق صباحا عاد ليث باكرا، "ليش مروح" يسأله عمه فتحي عوض أبو نعيم (65 عاما) والمتكفل بتربيته إلى جانب جدته، فرد عليه "بدي أنام.. راسي بوجعني".

الساعة الثانية عصرا، وبعد أن أفاق ليث من نومه أخذ يحدث مجموعة من أصدقائه، كما يروي عمه لصحيفة "فلسطين"، أنه يريد أن يأتي إليهم على وسط بلدة المغير بعد أن يؤدي صلاة العصر للعب كرة القدم كعادتهم اليومية في تلك الساحة الواسعة.

"عرف عن ليث أنه صاحب وطنية عالية، وكان يشارك في إلقاء الحجارة على جيش الاحتلال"، تكاد الدموع تنساب بين كلمات عمه، الذي وصله نبأ استشهاد ابن أخيه الساعة الرابعة عصرًا.

أذابت جمرة الفراق صوت عم الشهيد الذي صمت برهة ثم ينقل عن أصدقاء ليث الذي كانوا معه لحظة إعدامه: "قال الفتية لي إنهم في أثناء لعبهم اقتحمت أربعة جيبات إسرائيلية ساحة بلدة المغير وقام جنود الاحتلال باستفزازهم، وأن الجندي بعد أن قام بإعدام ليث من بعد مترين وظل واقفًا على رأسه، صعد في الجيب وغادروا المكان دون إطلاق قنابل غاز مسيلة للدموع أو أي شيء.. كان بإمكانه إطلاق النار على قدمه أو اعتقاله وليس إعدامه".

ارتقى ليث شهيدًا، طفل في السادسة عشرة من عمره تلامس جسده بأرض بلاده التي عشقها، واختلطت دماؤه بتراب تلك الساحة التي نما فيها حلمه بأن يصبح لاعب كرة قدم، لكن ذلك الحلم خطف بلمح البصر.

أكبر أمنية

يعود عم الشهيد للحديث عن لحظة وفاة والدة ليث، فيقول: "تكفلت جدته بتربيته بعد وفاة والدته إثر إصابتها بمرض السرطان، وعاش بيننا وهو بعمر ثلاث سنوات، وكان يذهب كل أسبوع لزيارة والده الذي تزوج بأخرى وأنجب منها ثلاثة أبناء لكن ليث فضل أن يعيش معنا لأنه كان يعتبر جدته أمه الثانية وتعلق بها كثيرًا وتربى مع أحد أطفالنا الذي تعلق به منذ صغره".

وكأنها المشاعر تشعره باقتراب الرحيل، قام ليث في 6 ديسمبر/ كانون أول الماضي باستبدال صورة الغلاف لصفحته الشخصية على موقع "فيس بوك" ووضع صورة التقطها في تشييع أحد الشهداء وكتب نصًا على ذات الصورة "بتسألوني عن أكبر أمنية عندي؟ زفة مثل هذه"، وكانت الجنازة كبيرة.

"امسح الصورة انت بتفول على حالك" يطلب عم ليث إزالة تلك الصورة لأنه الوحيد وكانت جدته تخشى عليه كثيرا لأنه شارك بإلقاء الحجارة مع جنود الاحتلال عدة مرات، رد ليث ممازحا: "أحب الشهداء، وأحب رؤية جنازاتهم وكيف يودعهم الناس"، اعتبر العم الأمر عاديا ولم يضغط عليه وبقيت الصورة حتى بعد الاستشهاد.

مواقف كثيرة مرت في حياة هذا الفتى الذي دائما ما كان يشعر بفقدان أمه خاصة بمناسبات يوم الأم، ينتقي عمه أحدهم، فذات مرة ذهب ليث للمشاركة في إلقاء الحجارة على جنود الاحتلال فلحق به عمه لمنعه لكنه أصر على المشاركة، وحينما عاد قبل رأس عمه واعتذر، والذي بادره الرد "احنا خايفين عليك.. ملناش غيرك".

بحزن على رحيل ليث الذي عاد إلى حضن أمه يعلق عم الشهيد على الجريمة: "هذه سياسة ممنهجة من قبل حكومة الاحتلال وليست سياسة جندي أو ضابط، يريدون إذابة الروح الوطنية في نفوس هذا الجيل".