إقرأ المزيد


على جناح الموهبة تحلّق "تولين" نحو لقب "السفيرة"

غزة - يحيى اليعقوبي

كأي أم، وفي ليلة هادئة، دخلت إلى غرفة ابنتها الصغيرة "تولين" (7 سنوات)، قبلتها وهي نائمة، ثم خرجت، وبعد لحظات وجدت الأم "أفنان الشوا" (28 عاما) طفلتها الصغيرة أمامها؛ تعجبت ونظرت إليها مبتسمة "مش كنتِ نايمة!" ببراءة طفولية ردت تولين "كنت عم مثل"، لفت هذا الموقف الشوا لوجود موهبة فطرية لدى طفلتها.

عزز هذا الانتباه، موقف آخر، فذات يوم قرأت الشوا سورة "الفاتحة" ثلاث مرات على مسمع ابنتها وهي لم تتجاوز العامين بعد، كانت في ذلك اليوم عائدة من بيت والدها، حدثت حينها ابنتها "شو رأيك واحنا بنطلع الدرج نقرأ قرآن"، وما أن بدأت الشوا بقراءة "الفاتحة" حتى أكملت ابنتها السورة بنفسها، بكت والدتها لشدة فرحتها واحتضنتها، وتعهدت أن تُحفّظها القرآن، وقد أتمت "تولين" حفظ جزء "عم" وهي في عمر أربعة أعوام.

تولين محمود القطراوي الشاعرة الصغيرة، هي الأولى على فصلها، لديها موهبة في إلقاء الشعر وحفظه، تسعى لإيصال رسالة أطفال غزة للعالم، تتفاعل مع مختلف قضايا الأقصى والأسرى، والحصار، من خلال أشعارها، وتنشر بعض قصائدها على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بمساعدة والدتها، وقد أدهشت بموهبتها بدايةً معلماتها برياض الأطفال ثم معلماتها بالمدرسة، وقبل كل ذلك أدهشت والدتها.

سفيرة صغيرة

"طموحي بأن تصبح تولين أصغر سفيرة، كي توصل للعالم معاناة أطفال غزة وحقهم في العودة" قالتها الشوا في بداية حديثها مع "فلسطين" في صباح يوم هادئ في مدرسة "القاهرة" بمدينة غزة خلال مشاركة الطفلة بمبادرة" شغف وحنين لمدن فلسطين" التي تنفذها المدرسة.

كيف استطعت تنمية قدرات تولين؟ عادت بنا في إجابتها إلى ما قبل أربعة أعوام، حينما كانت تعلم ابنتها حفظ القرآن والشعر معا، وفي عام 2014 خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، نبت الغرس، فقامت الطفلة بإلقاء قصيدة بمستشفى الشفاء، تناقلتها حينها وسائل الإعلام الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي.

تولين، طفلة طموحة تسعى لإيصال رسالة، مفادها أن في القطاع مواهب تحتاج لتنمية وتطوير، تحفظ حاليا خمسة أجزاء من القرآن، تحب التمثيل، وموهوبة بإلقاء الشعر، لاجئة من قرية "قطرة" تعرف عن مدينتها، كما تذكر والدتها، معلومات كثيرة.

لا تغيب أهمية دور الأم في تنمية قدرات طفلها من حديث الشوا، إذ إن الأم إن لم تحرص على غرس قيم تعاليم الدين الإسلامي، فإن الطفل سيفقد أشياء كثيرة، ودور الأم يتركز في تكوين فكرة عميقة لدى الأطفال عن دينهم، وفقا للشوا، موضحة: "أجلس يوميا نحو ثلاث ساعات مع ابنتي، لتحفظ سورة من القرآن، مع معاني مفرداتها، بالإضافة إلى أنها تتابع الحفظ في دار القرآن الكريم والسنة".

بالتسجيل والترديد

"اجتهدت مع تولين كثيرا، حيث أسجل الشعر بصوتي، وتردده نحو خمس مرات، ومن ثم استمع إليها، وهكذا هي الطريقة في حفظ القرآن، حيث قمت بتحميل برنامج صوتي لتلاوة القرآن تستمع إليه تولين شرط أن يكون نظرها على الكتاب الورقي"، الحديث هنا للأم عن أسلوبها في تطوير موهبة ابنتها.

وفي غمرة هدوء الصباح، تفتح الشوا شرفة الذكريات: "كنت أكتب الشعر وألقيه دائما في المناسبات المتعلقة بالأسرى أو عبر موجات الإذاعات، حتى يسمعه أبي عندما كان أسيرا في سجون الاحتلال".

عبرت الشوا عن رغبتها في ان تخط ابنتها ذات الطريق، لذا فهي تعلمها كيف تطور نفسها: "أتحدث معها كثيرا حول كيفية تطوير أسلوبها بالرد والتواصل مع الآخرين، وامنعها من مشاهدة مقاطع الفيديو على موقع "يوتيوب" كما يفعل بعض الأهالي لأني أراه غير هادف، وأسمح لها بمشاهدة أشياء مفيدة عبر التلفاز، وبوقت محدد".

"كل شيء في تولين جميل، تحرص على إرضائي إذا كنت قد أخدت موقفا منها، فهي تحب أن تراني سعيدة" هكذا تثني على ابنتها، لافتة إلى أن معلماتها يرددن دوما: "يا ريت كل البنات مثل تولين".

وتشارك هذه الطفلة الموهوبة في إلقاء الشعر بمهرجانات ومناسبات مختلفة وفي الإذاعة المدرسية، فازت بالمرتبة الأولى في حفظ سور من القرآن الكريم، وشاركت بمسابقة تحدي القراءة، إذ لخصت 50 قصة في المسابقة التي نظمتها وزارة التربية والتعليم، وتخطط لإتمام حفظ القرآن كاملا وهي في الصف "الخامس" الابتدائي.

ولا تنسى الشوا توجيه رسالة للأمهات، قائلة: "يجب استثمار الطفل منذ صغره، لأنه لن يكون قد دخل غمار الحياة لكي ينشغل بها، فما تزرعيه من قيم وأساليب تربية ومعرفة وثقافة ستحصدي ثمرته لاحقا"، لافتة إلى أن حفظ تولين للقرآن زاد ذكاءها وتفوقها، وترتيبها الحالي هو الأول على الفصل.

مواضيع متعلقة: