​مسعفٌ متطوعٌ

"لؤي الأسطل" جاهد ليُعيد النبض ولكن..

غزة - مريم الشوبكي

لا مجال للتفكير هنا، فكل ثانية كفيلة بوهب الحياة أو إنهائها، هذه هي أبجدية المسعف القائمة على محاولة الحفاظ على استمرار نبض قلب المريض بأي طريقة كانت.

مسعفٌ يجلس على بطن مصاب ويضغط بقوة بكلتا يديه على صدره، ومسعف آخر يسحب سرير المُصاب بسرعة قاصدًا غرفة العناية المركزة، انتشر هذا المقطع المصور الأسبوع الماضي، ولاقى إعجابًا كبيرًا وإشادة عالية بإصرار المسعف على إنقاذ المُصاب.

هذا هو المسعف لؤي الأسطل، الذي "ابتكر" تلك الجلسة ليتمكن أكثر في إجراء "CPR" (الإنعاش القلبي الرئوي) لشاب أُصيب برصاصة متفجرة أعلى البطن، واستمر في العمل بهذه الطريقة منذ إسعاف الشاب من السياج الفاصل شرق خزاعة، وصولًا إلى مجمع ناصر الطبي، وقد كانت إصابته في أثناء مشاركته في مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار.

أمر عادي

تفاصيل أكثر عن "أصعب موقف في حياته"، يرويها الأسطل (26 عامًا) لـ"فلسطين": "أُصيب الشاب برصاص متفجر أعلى البطن، وكانت حالته حرجة جدًّا، ونزف كمية كبيرة من دمه، وتمكنت من السيطرة على النزف، لكن توقف نبض قلبه فجأة".

يضيف الأسطل الذي يعمل متطوعًا في وحدة الإسعاف والطوارئ التابعة لمجمع ناصر: "وفي هذه الحالة يجب إجراء تنفس صناعي للمصاب، ولم أكن متمكنًا كما ينبغي من إجرائه وأنا واقف بجانب السرير في سيارة الإسعاف المتحركة، ولأن كل ثانية لها حساب سرعان ما فكرت في الجلوس على بطن المصاب مع سند ركبتي على السرير، وطلبت من زميلي أن يمسك بالسترة التي أرتديها حتى لا أقع على الأرض، وواصلت الضغط على صدره".

"التوقف لحظة عن وضعية الإنعاش يعني موتًا محققًّا للمصاب، لذا واصلت العمل مدة ربع ساعة، وهي المسافة التي قطعتها سيارة الإسعاف حتى الوصول إلى المستشفى، حينها توقفت لكي يكمل طبيب العناية المركزة المهمة"، والقول للأسطل.

فتح باب سيارة الإسعاف والنزول برفقة سرير المصاب أمر خطير في هذه الحالة، كما يصف الأسطل، لأن النبض سيتوقف، لذا قرر البقاء على جلسته، طالبًا من زميله المسعف والسائق سحب السرير وهو عليه لكي يستمر في إجراء الإنعاش القلبي.

يتابع: "مجرد أن رفعت يديّ عن المُصاب ليتسلمه الطبيب لم أستطع الوقوف على قدمي، فساندني زميلاي ووضعاني على السرير، لأن ما قمت به مجهد جدًّا، فالإنعاش القلبي يحتاج إلى مجهود عضلي كبير استنفد كل قوتي، لأني قمت به متواصلًا دون توقف".

ويضيف: "وبعد أن شعرت بتحسن ذهبت لأطمئن على حالة المصاب، ليخبرني الطبيب أنه استشهد، حينها شعرت بحزن عميق، لأني تمنيت أن أكون سببًا في وهب الحياة له من جديد ليبقى في ذاكرتي شيء أفتخر به ما حييت، ولو قدّر الله أن يعيش المصاب لشعرت بسعادة لم يكن لأحد أن يشعر بها مثلي".

والمصاب الذي كان يسعفه "الأسطل" دون أن يعرفه هو الشهيد عبد السلام بكر (29 عامًا)، الذي ارتقى بمحافظة خان يونس في جمعة "الشباب الثائر".

توقّع زميله أن ينتشر مقطع الفيديو الذي التقطته كاميرا المستشفى انتشارًا واسعًا، ليرد عليه "لؤي": "لا أعتقد ذلك، فما قمت به أمر عادي"، هذا الحوار دار قبل ينتشر المقطع بهذا الحجم على منصات التواصل الاجتماعي.

يقول: "فوجئت بانتشاره، لأنني أعتقد أن أي إنسان لديه انتماء إلى مهنة الإسعاف سيقوم بما فعلته، وأكثر".

تشنجات وإغماء

ولم يكن هذا الموقف العصيب الوحيد الذي واجهه "الأسطل"، فأُصيب بتشنجات نتيجة استنشاقه غازًا أطلقه الاحتلال في المنطقة التي كان يسعف بها على الحدود الشرقية لخان يونس، في جمعة "الشهداء والأسرى".

يضيف: "أصبت بالإغماء نتيجة استنشاقي الغاز السام إضافة إلى تشنجات في أعضاء جسمي جميعها، لم أتمكن بسببها من الحركة، وبعد تقديم الإسعافات الأولية لي شعرت أنني قادر على مواصلة عملي، ورغم تحذيرات مديري لي ركضت نحو زميلي لأساعده في حمل مصاب لإيصاله إلى النقطة الطبية، وما إن وصلت حتى وقعت أرضًا لتعود التشنجات لي من جديد".

استمر تكرار التشنجات على مدار ثلاثة أيام متواصلة، كان خلالها يُنقَل "لؤي" لتلقي العلاج اللازم في مجمع ناصر الطبي الذي يتطوع فيه، ورغم الإعياء الشديد أصر على العودة إلى العمل، موجهًا كلامه إلى مديره الذي أراد الاطمئنان على حالته: "أوعك تحكيلي اقعد عن الشغل، الجمعة الجاية راح أرجع".

ويعمل "لؤي" متطوعًا في مجمع ناصر الطبي منذ ست سنوات، ولا يتلقى أي أجر مقابل عمله، حتى إنه يحصل على مصروفه الشخصي من عائلته، ومع ذلك يصر على الاستمرار، فالعمل أصبح كـ"الإدمان" له.

مهنة الإسعاف كما يؤكد "الأسطل" هي مهنة إنقاذ الروح، "لذا تحتاج إلى سرعة بديهة، وسرعة في اتخاذ القرار، لأن كل ثانية فيها تعني حياة".

كل شيء في غزة غير عادي، حتى أبسط الحقوق في توفير فرصة عمل تكفل حياة كريمة غير متاحة، ولكن غيابها لا يعني أن يتخلى "مسعف" لا يتلقى راتبًا عن مهنته التي تحتم عليه إنقاذ روح إنسان دون التفكير في أي مال.