​من بينها أضخم جدارية للقدس بطول 7 أمتار

لوحات تقاوم المحتل

غزة - هدى الدلو

آمنت ببذرة الفن التي غرست بداخلها في ظل وجود بيئة خصبة لنموها، فشمرت عن ساعديها لتغوص في أعماق رحلة كفاح ومعاناة طويلة، وظروف صعبة، ولكنها أيقنت أن ريشتها الفنية هي سلاحها وأداتها لإيصال رسالتها الفنية إلى العالم أجمع، فقد جعلت من ريشتها ولوحاتها ناطقة بالقضية الفلسطينية، وتقاوم الاحتلال وتحلم بالحرية، ولم تترك مجالًا إلا كان لها بصمة كالمناسبات الوطنية، فوهبت للفن طاقتها وإبداعها..

إبداع الفن

فداء سمار (35 عامًا) عرفت نفسها بأنها إنسانة بسيطة جدًا، تعيش في بيت بسيط من محافظة جنين بلدة اليامون، تعشق روح الإبداع والتميز دائمًا، وهي معجزة الفن التشكيلي، درست تخصص الفنون الجميلة ورغم تخرجها بتقدير "ممتاز" لم تحصل على وظيفة تروي فيها ظمأ شغفها ودراستها.

بدأت براعم الموهبة تظهر في بداية مراحلها الدراسية من خلال إقبالها على الأشغال اليدوية من أبسط الأدوات كجذوع أشجار الزيتون، والرسم على الخشب، وبالتوابل، وذلك كان انطلاقة لمشوارها الفني.

وقد اتخذت سمار من غرفتها ورشة فنية تمارس فيها هوايتها وعشقها للفن والإبداع والنحت، فظهرت شغفها الفني وخاصة إبداعها في الفن التشكيلي طيلة 13 عامًا على جدران غرفتها، وقد غضت نظرها عن الظروف الصعبة وغياب الدعم المادي.

وفي ظل إمكانياتها الذاتية المتواضعة تروي سمار حكاية الفرح والسعادة والحب والإبداع في الفن التشكيلي من خلال لوحاتها، وتنقل حلمها بالعيش الكريم وبحرية، وتلمس في لوحاتها هويتها الفلسطينية، كما توصل بصمتها للعالم من خلال رسوماتها التي تعبر عن صمود المرأة الفلسطينية التي تعيش تحت وطأة الاحتلال.

أشواك وعراقيل

اول البداية كان المشوار محاطًا بأشواك شائكة، تمثلت أولها في العادات والتقاليد المجتمعية والتي تحكم الرباط على الرقاب، كرفضهم لمبدأ التحاق المرأة بالدراسة خاصة في ظل الانتقال من جنين إلى رام الله، وتتابع سمار حديثها: "فبعد مرحلة الثانوية العامة رفض الأهل مبدأ العيش بعيدة عنهم كفتاة فلسطينية، فتدخلت معلماتي في المدرسة وأقنعوا أهلي بموهبتي وضرورة الالتحاق بالتعليم الجامعي"، فالتحقت بتخصص الفنون الجميلة برام الله وكانت صاحبة المركز الأول.

فمعجزة الفن وروح الإبداع والتميز تدفع بها نحو إكمال مشوارها في رحلة البحث عن الذات، في ظل المثبطين من حولها ووصفهم باستحالة الوصول، وتكمل: "لكن بذرة أمل بداخلي لم تيأس رغم التهميش، وترعرعت زهرة طموحي الفني وعزيمتي على مواصلة المشوار بمفردي نحو العالم لنقل رسالتي عبر الأجيال القادمة".

تتقن سمار الرسم بشكل مباشر بصورة احترافية كرسم لوحات فنية خلال دقائق معدودة، إلى جانب الفن التجريدي، ورسم جدارية خلال ساعات قليلة، والرسم على اليقطين وجذوع الأشجار وخاصة الزيتون.

ومن خلال التحدي والإرادة عملت على تطوير نفسها، ورغم عدم حصولها على وظيفة بعد انتهاء دراستها الجامعية إلا أنها اعتمدت على ذاتها في التعبير عن موهبتها، وإيصال رسالتها من خلال تنظيم العديد من المعارض دون أي دعم أو رعاية من أحد، وحققت نجاح رغم صعوبة الأوضاع المعيشة والظروف المادية، فقامت بعمل مبادرة فنية ولم تجد أفضل من ذكرى يوم الأرض، وانطلقت منها بمعرض فني احتضن لوحاتها الفنية التي رسمتها على جذوع أشجار الزيتون.

وتابعت سمار حديثها: "كما بادرت بالرسم في المستشفيات الخاصة والحكومية، ودور المسنين وعلى جداريات المدارس"، وتتميز بطريقة فنّها، فلديها تقنية في الرسم تقوم على رسم أربع او خمس لوحات بأوراق الاشجار خلال 3 دقائق فقط، وتكون قد انهتها، وتتبع مدرسة الفن التجريدي التشكيلي.

وترى أن بلوحاتها تروي حكايات ذات طابع أسطوري، وتبتعد فيها عن المواصفات التقليدية في شكل اللوحة والتي من شأنها أن تغلق أبواب الحكاية أمامها، كما وتعتبر لجوئها من وقت لآخر إلى اللوحة بمثابة محطة استراحة، فهي كالأم ترسم حلم يصعب وصفة.

وأوضحت سمار أنها تختلف عن باقي الفنانين في طبيعة أسلوبها ونقلها لإحساسها، وباغتها فكرة رسم القدس على ضفاف قلبها في جدارية عملاقة، توسطتها خريطة القدس الملونة بألوان العلم الفلسطيني، ولكن بقيت الفكرة حبيسة عقلها، لحاجتها لرافعة لتتمكن من الرسم، حتى اتصلت عليها مديرة مدرسة بنات بنت الأزور الأساسية العليا بمدينة رام الله مقترحة عليها تنفيذ فكرتها على جدران المدرسة، حيث كانت حينها في عمان، فوافقت مقابل مكافأة رمزية وتكفلت المدرسة بتوفير المواد اللازمة.

وحول تفاصيل الجدارية، تحدثت: "في 19 من شهر ديسمبر رسمت القدس على جدار يبلغ طوله 7 متر، وقد أنهيت عملها خلال يوم ونصف فقط، وقد واجهت صعوبة في الرسم على الحجارة ولكن كل ذلك فداءً للقدس ونصرة لها"، وأثناء صعودها على الرافعة من أجل الرسم شعرت ببعض الخوف والرهبة، وتعتبر الجدارية الأولى في فلسطين التي رسمت بهذا الحجم.

وقد أقامت ما يقارب 20 معرضًا في عدة دول منها المحلي وفي الأردن ومصر ولبنان، فلا تعرف الكلل ولا الممل فطريقها الكفاحي أبصرها الفن والإبداع والتميز، ورغم ذلك تواجهها صعوبات تمثلت في عدم قدرتها على السفر وتمثيل فلسطين، كما أنها لا تتملك وظيفة، وتتقاضى بعض الأحيان أجورًا رمزية، وتطمح لأن تمثل فلسطين وتنقل رسالتها للعالم.