إقرأ المزيد


​لستُ معاقةً ولن أغشَّ

غزة - خاص "فلسطين"

"ماذا فعلت المعلمة بك في أول يوم للدارسة؟"، كان هذا السؤال الذي يعرف إجابته جيدًا نوّاف أبو عوض، والد العشرينية فاطمة، موجهًا إياه إليها لتسرد لنا حكايتها التي استمرت باستهزاء معلميها من طموحها على مدار سنوات، بسبب إعاقتها الحركية التي رافقتها منذ اليوم الأول لها في الحياة، لإصابتها بمرض العضو الزجاجي.

ابتسمتْ حينئذ وبدأت تعود لذكرياتها التي تقصها مع والدها كأنّهما شخص واحد للموقف نفسه: "كنت خائفة في أول يومٍ لي، لذلك بكيت، فقالت المعلمة لأبي: "هذه لا تنفع، أرسلها إلى المعاقين"، لكنه رد عليها أنني مفروضة على المقعد والمقعد مفروض عليّ، لذلك سأبقى في المدرسة".

قاطعها والدها وهو يتذكر ذلك الموقف كأنّه اليوم: "حتى لا تؤذيها كنت أجلس على باب الفصل كل يوم، في مرةٍ ذهبت إلى البيت دقائق، فعدت لأجد المعلمة قد أخرجت فاطمة بكرسيها، بعدما أحضرت أختها الأكبر منها قائلةً: "أرجعي أختك إلى البيت"، كانت الدموع تملأ عيونهن، فأعدتهما إلى فصليهما، ووقفت أمام المعلمة قائلًا لها: "مهما فعلت فلا فائدة، ابنتي ستتعلم"، وكانت تحضر المديرة وتخبرها أنّ فاطمة لا تستطيع القراءة أو الكتابة، ولكني أصررت: (لازم تتعلم ولا إمكانية لما تفعلينه)".

"على مدار اثنتي عشرة سنة أذهب بها إلى المدرسة وأرجعها كل يوم، صباحًا ومساءً: ست سنواتٍ ابتدائية، وثلاث إعدادية، وثلاث ثانوية، ولم تتغيب، ولو مرة واحدة، عندما نجحت في الثانوية أصبحت معها مرّةً أخرى أرسلها إلى الجامعة كل يوم امتحان، بحكم أنّ جامعتها تعليمٌ عن بعد، وأنتظر حتى الانتهاء، هذا الفصل سنخرج تدريبًا ميدانيًّا، سأذهب وإياها إلى دكتورها الجامعي للاتفاق معه على المكان الذي ستتدرب به" أكمل والدها.

وهكذا ألقى صاحب التسعة والخمسين عامًا أقوال الناس في وضع ابنته مقارنةً بالأصحاء ووضعهم الوظيفي وراء ظهره لمساندتها أكثر، وضحت ذلك: "رسبت في الثانوية العامة أول مرّة، لكني نجحت بعدما أحضروا لي كاتبة، كنت أبكي في أول يوم امتحان، لأنّي لم أستطع الكتابة، طلبت من المديرة وإحدى أقاربي كاتبة، لكنّ قريبتي ردّت عليّ: "تستطيعين الكتابة، وخطك جيد"، وبعدما تلفت أعصابي جاءوا بكاتبة، فحصلت على 31% في المادة، لكنّي بعد إعادتها حصلت على 81%، كل ذلك مع أن والدي أرسل إليهم تقريرًا طبيًّا من البداية بوضعي وما أحتاج".

"وذات يومٍ جاءني مدير التربية والتعليم في امتحان الإنجليزي، ولأني لم أكن أكتب موضوع التعبير بيدي لعدم قدرتي على الكتابة، كنت أملي على المعلمة، فاتهمني بالغش، وقال: "سنعلّم الورقة"، لكني قاومت وأخبرته أنني لم أغش، وبدأت بكتابة الموضوع دون مساندة الكاتبة، لأثبت له أنّي لم أغش، وعندما رجعت إلى البيت لعنت المدرسة، كنت أبكي بشدة، أخبرتهم أنّي لا أريد الاستمرار في التعليم، وكنت أريد أن أقول لأبي: "لنتوقف"، لكن الكلمة عادت إلى محلها دون أن تخرج، كانت تلك اللحظات من أقسى ما واجهت" أكملت فاطمة.

ومع الاستخفاف الذي كانت تتلقاه فاطمة في كل مرحلة من حياتها التعليمية بأحلامها، وإحباطها الدائم بأنها لن تستطيع الاستمرار في هذا الطريق؛ كانت تجيب ووالدها أنهما سيستمران حتى في أقسى الظروف، لتصل إلى تخصصها الذي كانت قد رسمته منذ الصف السادس في الخدمة الاجتماعية، وتوفيقًا لما اختاره والدها لها فيما بعد.

عادت فاطمة تسرد أحلامها: "أنا أسعى إلى الحصول على الماجستير والدكتوراة، والخوض في تخصص آخر له سوق عمل، بعد الانتهاء من هدفي الذي اجتزت منه أربعًا وستين ساعة من أصل مئة واثنتين وعشرين، لكني أخاف أن أصبح عاجزة عن رؤية شيء جميل كالبحر، منذ خمس سنوات لم أذهب إليه، لعدم توافر كرسي كهربائي لي، كما أخاف أن أحرم أبسط حقوقي كالعلاج لعدم تهيئة الأماكن لنا".

كان التحدي الذي واجهه ذلك الأبّ أنّه لم يدرس إلّا للصف التاسع، وأنّ عليه توضيح ما يصعب على ابنته من دروس لعدم وجود المحاضرات، لكنه اجتاز ذلك أيضًا، فأكمل يتابع كل أمورها الجامعية، بإحضار التعيينات والملخصات.

وفي آخر أوقاتي معها كانت عينا فاطمة ممتلئتين بالامتنان خاتمةً حديثها: "الآن بفضل والدي كلمة المعاق لا وجود لها في حياتي، أنا لست معاقةً، لأني أملك عقلًا وأفكر، ولن أستسلم للواقع أبدًا، جميل أبي هذا سيبقى على رأسي طيلة حياتي، شكرًا له ولكل عائلتي التي دعمتني حتى أصل إلى هنا".