إقرأ المزيد


​لقطات اعتياد

د. زهرة وهيب خدرج
سبت ٠٧ ١٠ / ٢٠١٧

(1)

أصيب من حولها بالصدمة؛ لأنها بعد خمسة وعشرين عامًا من الزواج، طلبت منه الطلاق، وكان المبرر وراء ذلك: "لم يعد هناك ما يشعرني بأنه يحبني كما كان سابقًا، أجده قد سئم مني، ومن وجودي إلى جانبه، أصبح "الموبايل" بديلًا مسليًا عن وجودي، يضيق صدره بي، بينما أجده يتحمل ضغوط الناس في الخارج. بعد هذه السنوات الطويلة في بيته أُخال نفسي وكأنني مجرد خادمة تلبي الطلبات وتنفذ الأوامر، ليس هذا فقط، بل تدنَّت نظرتي لنفسي كثيرًا معه، حتى بتُّ أكره الحياة، وأتمنى الخلاص، بَيْدَ أن ذلك في علم الغيب، فاخترت الانفصال، عساني أستعيد الاحترام لنفسي".

(2)

أمضى مع أمه ثماني عشرة سنة، ملَّ خلالها طعامها، وطريقتها في معالجتها لما تعترض طريقهم من مشكلات، وحتى طريقتها في ترتيب الملابس والبيت، وحرصها على راحته الجميع وكأنهم لا يزالون أطفالًا صغارًا، أنتظر اليوم الذي ينفصل عن الأسرة ويثبت لها عِظم الخطأ الذي ترتكبه معه. سافر إلى بلاد تشرق عليها شمس ميتة أيامًا محدودة في السنة، في أيامه الأولى شعر بحرية مطلقة وبهجة لم يعهدها، شعر كأنه طير طليق طال حبسه في قفص ضيف.. ومضت الأيام.. أخذ يشتاق لها ويتمنى لو يتذوق طعامها مرة أخرى ويشتاق لحرصها عليه واهتمامها به.

(3)

كان يذهب صباح كل يوم إلى حقله، يحرثه، يزرعه، يعتني به، يحصد ثماره.. ملَّ الحقل وتعب من الزراعة، باع الحقل، واشترى سيارة أجرة أخذ يعمل سائقًا لها، يعود إلى بيته بعد أن يحكم الليل ستاره على الكون، بعد يوم طويل من الجلوس وراء مقود السيارة لا يتحرك من مكانه. أخذ يتناول طعامه وهو يقول: رحم الله أيامًا كنت أعمل فيها حتى ترتفع الشمس في كبد السماء، أعود بعدها للبيت ألاعب الأولاد، وأجالس الناس، وأنام قيلولتي بملء جفوني، كنت نشيطًا رشيقًا قوي الجسد.. تغير كل شيء الآن.. ليت الزمان يعود مرة أخرى لأبقى في حقلي لا أغادره.

(4)

طوال ثلاثين عامًا هي عمرها الذي عاشته في بيته، كانت خير زوجة، بذلت جهدها لإسعاده وجعل بيته كجنة أرضية، تساعده، وتواسيه، وتخفف همه، إلا أنه كان يقلل من شأنها ويقابل إحسانها بالإساءة، والرقة بالخشونة والحب والدفء بالسخرية العنف، لم يكن يجد فيها امرأة تختلف عن باقي النساء. كانت تصبر وتحتمل لأنها تريد أن تنجح في رسالتها مع أبنائها. أصيبت بالسرطان الذي قضى عليها خلال ثلاثة أعوام.. أمضى بقية حياته يبكي حنانها وتدبيرها لبيتها ولطفها ويقسم أنه لم ولن يحب سواها.

(5)

حوض من الرياحين مزروع عند باب البيت، يمر من أمامه صبح مساء، لم يكن ينتبه له، لقد اعتاد وجوده لدرجة نسي معها وجوده، قررت زوجته إزالة الحوض وزراعة أشتال من النعنع مكانه. وعندما عاد في المساء سألها: أين الريحان؟ لم يعد المكان عَطِرًا كالسابق.. ليتك تركته في مكانه. أجابته: اعتقدت أنه لم يعد يهمك وجوده، صحيح ما قلت ولكني علمت الفرق بعد أن أزلته من مكانه.

مواضيع متعلقة: