إقرأ المزيد


لنا أَعيادنا ولهم أَعيادهم

بقلم/ م. عماد شحادة صيام

في تمام الساعة الثانية عشرة منتصف ليل آخر يوم من شهر ديسمبر الميلادي استيقظت مذعوراً من النوم على صوت مفرقات نارية، ورغم هذا الإزعاج وهذا الضرر الذي أصاب كثيراً من الأطفال والشيوخ والمرضى، إلا أن القلق الحقيقي الذي أصابني ويصيب كلَّ إنسان غيور على دينه وهويته وثقافته الإسلامية هو هذا التقليد الأعمى لغير المسلمين.

ذهب كثيرٌ من المُغيبين عن واقعهم الإسلامي والعربي والفلسطيني يحتفلون بليلة رأس السنّة الميلادية وبعضهم ألبس أطفاله الطربوش الأحمر تشبهاً بما يعرف (بالبابا نويل)، رغم الدماء التي تسيل على أرض فلسطين وأراضي المسلمين والتي يسفكها الصهاينة بدعم متواصل من الصليبيين الذين يُقلّدهم سفهاء حُمِّلوا الهوية الإسلامية ثم لم يحملوها، امتلأت المطاعم وأماكن اللهو بروادها، وأنفقت بعض البلاد الإسلامية ملايين الدولارات في ليلة واحدة رغم ملايين الفقراء والمساكين والمشرّدين من المسلمين.

أمرٌ غريب عجيب! رغم كل مآسي هذا الشعب وهذه الأمة إلا أن البعض يخجل من تاريخه وثقافته الإسلامية والعربية ولا يغار من الغرب ويقلّده في تقدمه التكنولوجي والحضاري وازدهاره ولكنه يُقلّده في أعياده واحتفالاته ولباسه وقصات شعره، وربما ما علم خطورة هذا الأمر على دينه وعقيدته، قال الله (تعالى): {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): "من تشبّه بقومٍ فهو منهم". هذا التقليد الأعمى إنما يدل على الفراغ الفكري والروحي والثقافي والأخلاقي.

لقد تنبأ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بما ستؤول إليه أحوال هذه الأمة من التبعية العمياء لسبيل غير المؤمنين، ومشابهتهم لأهل الكتاب من اليهود والنصارى فقال: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ؟ (أي من غيرهم؟!)".

لقد حرصت شريعتنا الغَرّاء على أن يكون للمسلم شخصيته الإسلامية المستقلة المتميزة، فقال الله (تعالى): {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، بل إن الله (تعالى) غيّر قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام لمخالفة اليهود، وعندما قدم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء صامه وأمر بصيامه وحث على صيام يوم قبله أو بعده لمخالفة اليهود، بل حتى في المظهر الخارجي قال: "خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب واعفوا اللحى".

إنَّ اعتزازنا بديننا وهويتنا وثقافتنا الإسلامية لا تعني عدم احترام أعياد غيرنا وحريتهم في الاعتقاد والفكر والتدين {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، ولكنه يعني –بالقياس- "لنا أعيادُنا ولهم أعيادُهم".