​علمي أم خبرتك؟

صورة تعبيرية
بقلم / ميسرة أبو عليان

أنهى محاسب دراسته وأراد أن ينتمي إلى جماعة لصوص؛ ليمارس علمه المدروس في الحسابات والعد، خاصة وأن السرقة في نظره تؤتي لصاحبها ثروة بلا كثيرٍ من التعب والعناء، فانضم إلى جماعة سارقين وسرق معهم في المرة الأولى بنكًا، وعندما ابتعدوا عن مسرح الجريمة قفز المحاسب قائلاً: هيا يا أحبائي سأمارس أعمالي وأحصي المبلغ الهائل. ضحك كبيرهم وقال: أنت جديد على المهنة، لِم نتعب أنفسنا بالعد، انتظر قليلاً وستخبرك الأخبار عن المبلغ بقولها: سُرق مبلغ مالي يقدر بـ.. من بنك.

لم يكن عِلم المحاسب كافياً للتصرف بحنكة رغم مستواه الأكاديمي العالي مقارنة بالسارق الذي لا يمتلك على الأرجح علمًا كعلمه.

فكاهةٌ يستخدمها والدي كثيراً؛ ليعلمنا منها درساً بأن العلم لا ينفع صاحبه إن لم يُتَوج بممارسة تكسبه مع الأيام خبرة.

لطالما سألت نفسي سؤالاً : أيهما له فعالية في الحياة أكثر، العلم أم الخبرة؟؟!!

وبمجرد محاولة الإجابة عن السؤال بالأولى أو الثانية تُطرح أمامي خيارات عديدة من الواقع بعضها على مَن اكتسبوا علمًا ولم ينموه بممارسة، وأخرى على من مارسوا مهنة بلا أرضية صلبة يقفون عليها.

عندما أجيب بالعلم ظناً مني بأنه الأكثر أهمية وفعالية، وأن صاحبه يعلم كيفية التصرف وإن لم يؤت من الخبرة شيئا فما سيمر عليه في عمله سيجد له مخرجاً من نظريات درسها، وقتها سرعان ما تقفز صورة رسمتها سابقاً في ذهني لمَن تعلم ولم يمارس علمه ولم يكتسب خبرة، كأنه يقف في مهب الريح يمتلك كل مقومات الحماية لكنه لا يملك القدرة على التصرف في موقفه هذا، فلا فائدة لتلك الأدوات التي تسعف غيره ولا تبدي نفعًا بالنسبة له.

فقلت: لا، لا بد وأن تكون الخبرة أهم، فقد يكتسب الإنسان من الحياة خبرة تفوق العلم، خاصة وأنه قد يشكل من مجمل خبراته علمًا، فكم من شخص لم تسعفه الأيام على إكمال دراسته، لكنه اكتسب بفعل سني عمله الطويلة خبرة تمكنه من اجتياز معوقات العمل وتعينه على حسن التصرف، وقتها سرعان ما تذكرت أن من لا يمتلك علمًا سيتعب حتى يكتسب تلك الخبرة وستمر عليه مواقف تحتاج منه إلى خلفية مبنية مسبقاً يتخذ قراراته بناءً عليها، كما أن فرصة عمله في مهنة لم يدرسها ويتخصص فيها وإن كانت قديمًا عالية فإنها اليوم في زحام التنافس الشديد تعتبر نادرة ومحدودة.

إن التساؤلات المتكررة أوصلتني إلى أن العلم والخبرة متلازمان كالجسد والروح لا يمكن لأحدهما أن تكون له كينونة من دون الآخر، قد تحتاجُ بعض المواقف رجحان أحدهما أكثر من الآخر لكن هذا لا يعني انعدام أهمية الآخر. فابنِ لنفسك أرضية صلبة يحسن وقوفك عليها ثم انطلق نحو ما تريد كي تكون انطلاقتك أكثر قوة.