​لماذا حُوِّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؟

غزة/ هدى الدلو:

من أعظم الأحداث التي حدثت في الإسلام هي تحويل قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى البيت الحرام، حيث روى القرآن الكريم والسنة النبوية تلك الحدث، ولكن يخطر في الذهن عدة تساؤلات حول سبب تحويل القبلة؟ وكيف استقبله الرسول؟ وغيرها من الأسئلة التي سنجيب عنها في السياق التالي:

الداعية الدكتور محمد العامودي تخصص في الحديث الشريف وعلومه، قال: "ظل المسلمون طيلة العهد المكّي يتوجّهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى، الذي أمر باستقباله وجعله قبلةً للصلاة".

وأوضح أنه في تلك الأثناء كان رسول الله يمتثل للحكم الإلهي وفي فؤاده أمنية كبيرة طالما راودته، وتتمثّل في التوجّه إلى الكعبة بدلًا من المسجد الأقصى، ذلك لأنها قبلة أبيه النبي إبراهيم وهو أولى الناس به، وأوّل بيتٍ وضع للناس، لحرصه على أن تتميّز الأمة الإسلامية في عبادتها عن غيرها من الأمم التي حرّفت وبدّلت، ويدلّ على ذلك قول البراء بن عازب: "وكان يحب أن يوجّه إلى الكعبة".

وأشار العامودي إلى أنه ما كان لرسول الله أن يخالف أمر ربّه، بيد أنه استطاع الجمع بين رغبته في التوجّه إلى الكعبة وعدم مخالفة الأمر بالتوجّه إلى المسجد الأقصى بأن يصلّي إمام الكعبة ولكن متّجها إلى الشمال، كما يدلّ عليه الحديث الذي رواه ابن عباس حيث قال: "كان رسول الله يصلي وهو بمكة نحو المسجد الأقصى والكعبة بين يديه".

وتابع حديثه: "ثم أذن الله بالهجرة، ووصل المسلمون إلى المدينة، وبُنيت المساجد، وشرع الأذان، والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينس حبّه للكعبة ويحزنه ألا يستطيع استقبال القبلتين معا كما كان يفعل في مكّة، وكان شأنه بين أن يخفض رأسه خضوعًا لأمر الله، وأن يرفعه أملًا في إجابة دعوته".

وقد وصف القرآن الكريم حال النبي بقوله: "قد نرى تقلب وجهك في السماء"، وفي منتصف شعبان، وبعد مرور ستة عشر شهراً من استقبال المسجد الأقصى، نزل جبريل عليه السلام بالوحي إلى النبي ليزفّ البشرى بالتوجّه إلى الكعبة، قال تعالى: "فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ"، ويحدّث الصحابي الجليل البراء بن عازب أن النبي كان أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل المسجد الأقصى ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت الحرام، وأنه صلى أول صلاة صلاها مستقبلًا الكعبة كانت صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: "أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله قِبَل مكة فداروا كما هم قِبَل البيت".

وبين العامودي أنه على الرغم من انتشار الخبر وذيوعه، إلا أنّه تأخّر عن أهل قباء حتى صلاة الصبح، فجاء إليهم رجل فقال: "أنزل الله على النبي قرآنًا أن يستقبل الكعبة فاستقبِلُوها"، فتوجهوا إلى الكعبة".

ولفت إلى أنه لأنّ نسخ الأحكام لم يكن معهودًا عند المسلمين من قبل، كما قال ابن عباس: "... فأول ما نسخ من القرآن القبلة"، لذلك كرّر الله الأمر بها تأكيدًا وتقريرًا ثلاث مرّات، الأولى في قوله: " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ "، والثانية في قوله: " وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "، والثالثة في قوله: " وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ".

ونبه العامودي إلى أنه قد تباينت ردود أفعال الناس تجاه هذا الحادث غير المألوف، أما المؤمنون فلم يترددوا لحظة عن التحوّل طاعةً لله ورسوله، فامتدحهم الله وبيّن لهم أن هذه الحادثة إنما كانت اختبارًا للناس وامتحانًا لهم، كما قال تعالى: " وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱلله".

وأوضح أن بعض المسلمين أظهروا القلق على من لم يكتب الله له شرف الصلاة إلى الكعبة ممن مات قبلهم، وخافوا من حبوط أعمالهم، وقالوا : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله "وما كان الله ليضيع إيمانكم" -يعني صلاتكم-.

وأما ردة فعل اليهود، فبين أنهم قد عابوا على المسلمين رجوعهم عن المسجد الأقصى إلى الكعبة، وقابلوا ذلك بالسخرية والاستهجان، واستغلّوا ذلك الحدث بدهاءٍ ليمرّروا من خلاله الشكوك والتساؤلات طعنًا في الشريعة وتعميةً لحقائقها، وقد حذّر الله سبحانه وتعالى المسلمين وأخبرهم بموقف اليهود قبل وقوعه، فقال: "سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"، وهكذا تحقّق للمسلمين فضل التوجّه إلى القبلتين جميعًا.

وأشار العامودي إلى أنهم بذلك استطاعوا أن يجتازوا هذا الامتحان الإلهي، وبذلك نالوا شهادة الله "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"، وكان ذلك التحوّل إيذانًا بنهاية الشرك وسقوط رايته، وأصبحت الكعبة قبلةً للمسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.