لماذا الاستعجال في نقل السفارة الأمريكية؟!

د. أيمن أبو ناهية
السبت ٠٣ ٠٣ / ٢٠١٨

قررت الإدارة الأمريكية تعجيل الإجراءات من خلال تعهدها بتحويل مجمع القنصلية الذي تم افتتاحه في 2010 ويقع على الخط الأخضر الذي يفصل بين شرقي القدس وغربيها، إلى مبنى مؤقت لسفارة بلادها بناء على قرار الرئيس الأمريكي ترامب الذى وعد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس كإجراء أولي للاعتراف بها عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلية.


لعل اللافت أن القرار الأمريكي المتعلق بنقل السفارة إلى مدينة القدس قد تغير بين عشية وضحاها، فما صرحت به المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن وزير الخارجية كان على علم وشارك في اتخاذ قرار الاستعجال بنقلها وهذا يبدو مختلفا تماما عن تصريحات وزير الخارجية الأميركية ونائب الرئيس الأميركي والرئيس نفسه، أنّ سفارتهم لن تنقل للقدس هذا العام وقد يسافر الأمر سنوات، لأسباب كثيرة أهمها عدم توافر المكان وأن مبنى القنصلية غير مناسب ترميمها أو بناؤها من جديد، إلخ، فماذا تغير للتعجيل في نقل السفارة؟ وهل تبخرت تصريحات المسؤولين الأمريكيين وخضعوا للأمر الواقع والإذعان لطلب نتنياهو؟! الذي قال بعد أيام فقط من خطاب بنس، أثناء زيارته للهند: "إنّ فتح السفارة سيكون أقرب مما تظنون "هذا العام". وعند سؤال الرئيس الأميركي ترامب عن تصريح نتنياهو، نفى ذلك وقال "لا" لن يكون هذا العام.


الحقيقة أن فريق نتنياهو هو الذي يخطط ويقرر بخلاف كل التصريحات الأميركية الرسمية، وجزء من أهدافه كسب التأييد الداخلي، في معركته مع القضاء، ثم يمكن توقع أنّه نسّق الخطوات اللاحقة مع أصدقائه الذين لا يقلون صهيونية عنه؛ ديفيد فريدمان، السفير الأميركي في (إسرائيل)، وأديلسون الذي يدعم نتنياهو شخصيًا، حتى ضد قيادات اليهود الأميركيين التقليديين والكبار، وصاحب الكلمة المسموعة عند ترامب بحكم تبرعاته السخية، وبحكم مصالح مشتركة ضخمة مع ترامب، ومع صهره الصهيوني جارد كوشنير. فريق نتنياهو المصغر يضم فريدمان وأديلسون، وعلى كوشنير وبينس وهيللي اتخاذ القرار وتسويقه عند ترامب. وتسريع نقل السفارة يساعد نتنياهو على البقاء بمنصبه، أديلسون أشبه براعٍ شخصي له.


إن هذا الاستعجال بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس في حد ذاته تحدي للأمتين العربية والإسلامية وأيضا للعالم المسيحي لأن هذا الإجراء لا يتوقف عند نقل السفارة للقدس والاعتراف بها عاصمة للاحتلال فقط، بل من شأنه التعجيل في تهويد المدينة للسعي سلطات الاحتلال الحثيث بإزالة كل ما يتعلق بالعرب فيها مسلمين ومسيحيين بشرًا وحجرًا، فقد لا يغيّر موعد نقل السفارة كثيرًا من المعنى السياسي لقرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيلية، ولكنّ آلية اتخاذ القرار ذات معنى مهم بالنسبة لأمريكا و(اسرائيل).


صحيح يبدو لنا هذا تحديًا واستفزازًا لمشاعرنا، لكنه في نفس الوقت إهانة لوزارة الخارجية الأمريكية التي أصبحت لا مصداقية ولا سلطة لها على السياسة الخارجية الشرق أوسطية، خصوصًا في الشأن الإسرائيلي – الفلسطيني. فمثلا المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيك هيلي، لا تبذل أي جهد للتناغم مع الوزارة، وتتحدث دائمًا باسم (إسرائيل) وكأنها منظومتها في الأمم المتحدة.


يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تأخذ بالمثل القائل: "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة" لأنها -كما قلت- لا تستطيع مخالفة أوامر نتنياهو الذي يسعى لتحقيق مكاسب سياسية وتأمين مستقبله السياسي وزيادة شعبيته الحزبية، ولم يكترث كثيرا لمسألة المفاوضات السلمية التي لا توجد أي تصريحات تزعم أو تدعي أن الخطوة للتمهيد لإطلاق مبادرة السلام الأميركية، بل تنقل الصحافة الأميركية عن سفراء أميركيين سابقين أنّ عملية السلام أبعد اليوم من أي وقت سبق.

مواضيع متعلقة: