إقرأ المزيد


لغُتنا إلى أين؟!

صورة تعبيرية
بقلم / م. عماد شحادة صيام


لغُتنا العربية إلى أين؟! سؤال بات يفرض نفسه بإلحاح وسط الغربة التي تشهدها لغتنا العربية بين أهلها، لقد شرّفها الله (تعالى) بأن جعلها لغة القرآن الكريم الذي يُتعبد بتلاوته، فقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، وللأسف الشديد عندما تستمع لتلاوة كثير من الناس تجد أنهم لا يجيدون القراءة الصحيحة، ليس فقط أحكام التلاوة بل حتى اللفظ الصحيح للكلمات وتشكيل الحروف، فتراه ينصب الفاعل ويرفع المفعول ويفتح المكسور ويكسر المفتوح...

والحقيقة أننا نشهد تراجعاً واضحاً في الانتماء للغة العربية واحترامها، فترى كثيراً من الإعلاميين والخطباء يتبعون قاعدة "سكِّنْ تَسْلَم" فلا يُحرّك آخر الكلمات خشية الوقوع في الخطأ وهو بذلك يُفقد اللغة رونقها وجمالها، وترى كثيراً من أصحاب المحلات التجارية يُسمُّون محلاتها بأسماء أجنبية، إضافة إلى تخليط الكثير بين العربية (غير الفصحى) واللغات الأخرى! أما إذا نظرت إلى الخط العربي لأبنائنا فإنك بالكاد تستطيع قراءته، ويصل الطالب للمرحلة الثانوية ولديه أخطاء إملائية فظيعة في أبسط الكلمات علاوة على سوء الخط فيكف سيقرأ المُصحح إجاباته في الامتحانات؟!

وإذا بحثنا عن جذور المشكلة نجد أنها تبدأ من المدرسة في مراحل التعليم الأساسية، فترى الغالبية العظمى لا يحبون درس اللغة العربية وخاصة (النحو) ذلك لأن المُعلّم أو المُعلّمة في كثير من الأحيان لا يتبع الطريقة الصحيحة في جعل الطلبة يفهمون ويحبون لغتهم ويعتزون بها.

اللغة العربية من ثوابت الأمة الإسلاميَّة، فلا يمكن أن تتخلَّى عنها، بل إن تعلُّمها واجب على المُسلم؛ لأنها أداة الدين، ولا يَصِل إنسان إلى فَهْم هذا الدين فهمًا صحيحًا إلا عن طريق هذه اللغة الغرّاء، ومن القواعد الفقهية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وفَهْم الدين لا يكون إلا باللغة العربية؛ لذا فتعلُّمها واجب على كلِّ مسلم، وقد حرص رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم)على ذلك أشد الحرص، حتى إنه سمع رجلاً يَلحَن (يُخطئ لغوياً) فقال: "أرشدوا أخاكم".

وكان عمر بن الخطاب (رضيَّ الله عنه) يأمرُ أصحابه فيقول: "تعلَّموا العربية؛ فإنها من دينكم، تعلَّموا الفرائض؛ فإنها من دينكم"، وكان الحسن بن أبي الحسن (من التابعين) إذا عثَر لسانه بشيء من اللحن، قال: أستغفر الله، فسُئل عن ذلك، فقال: "مَن أخطأ في العربية فقد كذب على العرب"، وكان أبو زكريا الفراء (من أعلام المفسرين) يُفضِّل النحو على الفقه، وأما الإمام ابن حزم، فقد ألزم من أراد أن يتعلَّم الفقه تعلُّم النحو واللغة،
وعندما سُئل الإمام الشافعي عن كثرة البدع في زمانه، قال: "لبُعد الناس عن العربية".

أما مصطفى صادق الرافعي، فقال: "ما ذلَّتْ لغةُ شعب إلا ذلَّ، ولا انحطَّت إلا كان أمره في ذَهاب وإدبار".