​لضمان صحة الفتوى.. جهاتٌ متخصصة وشروطٌ محددة

غزة - صفاء عاشور

لأهمية الفتوى، ولضرورة صحّتها، لا يحقّ لأي مسلم أن يقدم الفتاوى للآخرين، بل للمفتي مواصفات وشروط، إضافة إلى ذلك توجد جهات محددة تتولى أمور الفتوى في البلاد العربية والإسلامية، فما أهمية وجود مثل هذه الهيئات؟ وما طبيعة عملها؟

لجان متخصصة

أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون الجامعة الإسلامية الدكتور ماهر السوسي، قال: "في كل دولة إسلامية جهة رسمية تكلفها الدولة بمهمة الإفتاء، ويكون على رأس هذه الجهة أحد العلماء المجتهدين المتمكنين من أحكام الشريعة الإسلامية".

وأضاف لـ"فلسطين": "هذا العالم الذي يترأس الجهة المشرفة على الإفتاء لا يصدر الفتاوى بمفرده في الغالب؛ بل يساعده في ذلك لجنة من العلماء المتخصصين أيضًا".

وتابع: "قد تكون في كل محافظة من محافظات الدولة لجنة فرعية تابعة للجنة الرئيسية وتمارس دور الإفتاء"، مؤكدًا ضرورة تنسيق اللجنة الفرعية مع الرئيسية، إلا إذا كانت لجان الإفتاء قد تخصصت كل واحدة منها بمذهب معين من المذاهب الفقهية المتعددة.

وأوضح السوسي: "بالنسبة لنا في قطاع غزة، فإن هناك مفتيًا عامًا معينًا من قبل السلطة العليا في الدولة، تعاونه لجنة في أداء عمله، وهذه اللجنة مختصة بمدينة غزة وشمال القطاع، والمنطقة الوسطى، وهناك لجنة أخرى مثلها مختصة بمنطقة خانيونس ورفح والمناطق المحيطة بها".

وبين: "وقد يكون هناك تنسيق بين هاتين اللجنتين في بعض الأحيان، ومن ذلك استطلاع هلال رمضان وشوال، وكذلك تحديد مقدار زكاة الفطر، حتى أن هذه الأمور تتم بالتنسيق بين لجنتي الإفتاء في قطاع غزة ونظيراتها في الضفة الغربية".

وأشار إلى أنه يوجد في قطاع غزة لجان فتوى أخرى غير المعينة من قبل السلطة، مثل لجنة الإفتاء في رابطة علماء فلسطين، ولجنة الإفتاء في الجامعة الإسلامية، ولجنة الإفتاء في جامعة الأقصى، وغير ذلك، لافتًا إلى أنه قلّما يتم التنسيق فيما بين هذه اللجان.

وبحسب السوسي، يجب أن تتوافر فيمن يتولى الإفتاء، سواء كان منفردًا أو ضمن لجنة من اللجان المذكورة، شروط معينة، أولها العلم بالأحكام الشرعية، لأن الفتوى لا ينبغي أن تعارض الشرع، أو تكون تبعًا للهوى أو مزاج المفتي أو المستفتي؛ لقول الله تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ"، فالله هو صاحب الشرع، ولا حكم سوى حكمه تعالى.

وبيّن أن الشرط الثاني، هو العدالة، إذ يشترط فيمن يتقلد منصب الإفتاء أن يكون عدلًا في أقواله وأفعاله، غير متهم في خُلقه أو دينه؛ مستشهدا بقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ".

وشدد على ضرورة أن يكون المفتي أمينًا على سؤال من استفتاه، وهو أمين على الإجابة عن الفتوى؛ ذلك أن الخيانة في الفتوى وعدم استنادها إلى شرع الله تعالى، تعني الحكم بغير ما أراد الله تعالى، وهذا كفر لقوله عز وجل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجهم مما قضيت ويسلموا تسليمًا).

وأوضح: "أما الشرط الثالث فهو الورع والزهد، وتحري كل ما يخدش الكرامة، لئلا يُكذّب الناس المفتي، ومن ثم يُكذَّب الشرع بسببه، ولأنه ممثل عن الشرع في تبليغ الأحكام للناس".

وعن الشرط الرابع، قال: "هو سلامة اللغة، وحسن المنطق، وذلك حتى يستطيع تبليغ الفتوى على حقيقتها، وحتى لا يفهم المستفتي من كلامه خلاف ما يقصد الشرع إن هو أساء التعبير، وأن يخاطب المستفتي باللغة التي يفهمها".

وشدد على أهمية أن يكون المفتي عالمًا بعادات مجتمعة وتقاليده، حيث لذلك أثر في الفتوى، وألّا يتجاوز حدود الفتوى عن إجابته للمستفتي لئلا تلتبس الأمور عليه، إضافة إلى أن يكون حسن الإصغاء والاستماع، وألّا يفتي قبل أن ينتهي المستفتي من سؤاله، حتى يعلم تمام حاجة المستفتي.