لعبة ​"PUBG".. القتل سبيلك لتحيا!

اللاعب يمارس فيها ما هو محروم من ممارسته واقعيًا
غزة/ أسماء صرصور:
م. مشتهى: اللعبة تلغي التفاهم والحوار من ذهن الشباب
د. الغلبان: اللاعب يمارس فيها ما هو محروم من ممارسته واقعيًا



كتب شخص على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك أنه ذهب ليشحن كرت الكهرباء الخاص به من إحدى المحلات، وفي المحل كان يجلس خلف الزجاج ثلاثة أشخاص أصغرهم يبلغ من العمر (35 عامًا)، ولكنهم مشغولون -كلٌ مع شاشته- ويهمسون عبر سماعات الأذن، ليكتشف أنهم يلعبون ببجي!

ومتعارف عليه أن عملية شحن كرت الكهرباء في قطاع غزة لا تأخذ في مجملها ما يزيد على الدقائق الخمس، لكن هذا الشخص انتظر وقتًا زاد عن هذه الدقائق، حتى اضطر لمقاطعة أحدهم، ووضع كرت الكهرباء أمامه، ومع ذلك لم يعره اهتمامًا، وبعدها وجه حديثه لمن معه عبر سماعة الأذن: "اسمع .. غطي علي، بدي اعمل شغلة وراجع"، وأخيرًا شُحن الكرت!!!

الموقف السابق حدث في قطاع غزة، وهناك مواقف كثيرة حول العالم سببت مشاكل عديدة بين الأفراد، وكلها بسبب لعبة الببجي - PUBG- التي سيطرت على أوقات ما يزيد عن مليوني شخص حول العالم.

"فلسطين" في تقريرها اليوم تتحدث عن لعبة ببجي أو بوبجي - PUBG-وهي اختصار لـ "Player Unknown’s Battlegrounds"، والتي انطلقت في مارس/ آذار 2017، وتورد أهم المخاطر التي يتعرض لها مدمن اللعبة.

لا ينجو إلا لاعب

وفي موقف آخر، يروي أحدهم أن شخصا ما قتل شريكه ليتعرف على الفتاة التي تلعب معهم، وتطلب منه المساعدة، وآخر يقول: "من كتر ما بلعب بوبجي، صرت أفوت البيت من الشباك"، ناهيك عن حالات الطلاق التي وصلت إلى المحاكم –في عدة دول- لأن الزوجات يشكين غياب أزواجهن عن أمور المنزل بسبب تسمرهم أمام شاشة الحاسوب أو الهاتف النقال لممارسة اللعبة.

إضافة إلى جرائم قتل في عدة بلدان، والسبب ببجي - PUBG- ففي مصر.. طالب يقتل معلمته ويستوحي الطريقة من ببجي، وفي العراق.. تحديدًا في أربيل نعي شاب قُتل أثناء محاكاة لعبة ببجي، وفي الأردن.. الأمن العام الأردني يحذر أفراده من تحميل لعبة ببجي، وغيرها من القصص.

الاختصاصي في تقنية وأمن المعلومات م. أشرف مشتهى، يقول: "لعبة - PUBG- تأتي ضمن نطاق الألعاب القتالية وألعاب إطلاق النار"، مبينًا أنها تشبه في ذلك غيرها من الألعاب القتالية على غرار لعبة كاونتر سترايك الشهيرة.

ويلفت مشتهى في حديثه لـ "فلسطين" إلى أن اللاعبين في ببجي يقاتلون في نظام فريق إما مكون من شخصين أو أربعة أشخاص، ويصل عدد اللاعبين في اللعبة الواحدة إلى 100 لاعب عبر شبكة الإنترنت من أماكن مختلفة في العالم، ولن ينجو منهم إلا لاعب واحد.

ويبين أن اللعبة أصدرتها شركة كورية في مارس/ آذار 2017م، وكانت نسختها الأولى مخصصة لأجهزة الكمبيوتر وأنظمة تشغيل ويندوز وإكس بوكس ون، ليتم فيما بعد طرح النسخة الجديدة للهواتف المحمولة وأنظمة تشغيل آندرويد ونظام ios.

ويشير إلى أن اللاعب في اللعبة يحاول الحفاظ على حياته داخلها، بتجميع الأسلحة والذخائر والدروع، ومواجهة اللاعبين الآخرين، وقتلهم جميعًا، فاللاعبون الـمائة يجدون أنفسهم على خريطة، ويبدأ كل لاعب بالبحث عن الأسلحة والذخائر وأدوات الإسعاف وحقن الأدرينالين، والغلبة لمن يقتل الجميع ويبقى حيًا.



انطواء وعزلة.. إلى متى؟

وينبه مشتهى إلى أن اللعبة خلال عشر دقائق إلى ربع ساعة يتحول فيها اللاعب إلى مقاتل في ساحة المعركة يناضل ليكمل المسير والبقاء على قيد الحياة، دون الاهتمام بحياة الآخرين، موضحًا أن وجود المائة لاعب يجعل اللعبة بالنسبة لهم أكثر متعة وتسلية إضافة إلى وجود المحادثة الصوتية التي تضيف نوعًا من المرح.

ويقول: "اللعبة تلامس الواقع تقريبًا، فهناك أرض معركة وأدوات قتال ومركبات قتالية، فيندمج الشباب مع اللعبة وينتقلون إلى الخيال والعالم الافتراضي"، مبينًا أن مصدر التهديد في اللعبة هو جعل اللاعب مستمتعًا بالقتل والقتال.

وأما فيما يتعلق بانعكاسات هذه اللعبة على الفرد، فيوضح أن الاندماج في اللعبة يجعل لاعبها أقرب إلى الانطواء، والرغبة في الجلوس في الغرف منفردًا ومنعزلاً عن الأهل والأصدقاء لمواكبة اللعبة والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى لعبها لمدة تزيد عن 12 ساعة متصلة.

ومن الأضرار السلوكية حسبما يقول الاختصاصي في تقنية وأمن المعلومات: إن اللعبة توهم الشاب أن أسلوب العنف هو أفضل طريقة للدفاع عن النفس، وأن العنف هو الوسيلة المنشودة للوصول إلى الهدف، مع إلغاء التفاهم، والمناقشة، والحوار، واللين، والود من ذهن الشباب، والصور اللاأخلاقية التي تظهر مع بداية تشغيل اللعبة وتأثيرها السيئ على الشباب.

وبالانتقال إلى انعكاسات اللعبة على المجتمع، يوضح أن كثيرًا من حالات القتل وقعت بين الشباب، وكل هدفهم تطبيق اللعبة على أرض الواقع، إضافة إلى انتشار حالات الطلاق في المحاكم.

أخيرًا، يقدم مشتهى نصائح لأولياء الأمور، منها: ضرورة متابعة أبنائهم على نحو دائم، وألا يتركوهم لفترات طويلة لوحدهم في الفضاء الإلكتروني، ومراقبة الأجهزة المحمولة الخاصة بأبنائهم، ومراجعة تطبيقات الهاتف المثبتة في أجهزتهم، وعدم ترك الهواتف بين أيديهم لفترات طويلة.



ويؤكد أهمية شغل أوقات فراغ الأبناء وتنمية مهاراتهم بما ينفعهم من تحصيل العلوم النافعة والأنشطة الرياضية المختلفة، ومشاركة الأبناء في جميع جوانب حياتهم مع توجيه النصح وتقديم القدوة الصالحة لهم، مشددًا على أهمية تَخَيُّر الرفقة الصالحة للأبناء ومتابعتهم في الدراسة من خلال التواصل المستمر مع المعلمين وإدارة المدرسة.

تفريغ لخلفية نفسية!

في ذات السياق، يوضح الخبير في القضايا الاجتماعية د. نعيم الغلبان أن لعبة - PUBG- وغيرها من الألعاب الالكترونية تسبب هدر أوقات كبيرة، وتجعل من يلعبها مستغرقًا بكيانه كله وينسى ما حوله كأنه طفل.

ويعتقد د. الغلبان في حديثه لـ "فلسطين" أن الخلفية النفسية للأمة هي التي تسبب إدمان اللاعبين عليها، فالأمة الإسلامية تركت الجهاد الحقيقي، لكن يبقى هناك حبل نفسي معلق بمتطلب الجهاد والنضال والقتال، فيلجأ اللاعب لتفريغ طاقته في طريق غير ملائم، وهو ممارسة اللعبة.

ويقول: "يجد اللاعب نفسه في اللعبة مقاتلاً ويحاول إشباع رغبته لأنه لم يستطع تحرير وطنه ورفع الظلم ودرئه عنه وعن شعبه"، فالشعب العربي المسلم يجد أن –وفق قوله- الجهاد والمقاومة هما السبيلان الوحيدان للوصول إلى الحقوق، ولكن القائمين على سدة الحكم أسقطوهما من حساباتهم.

ويشدد على أنه يجب استخدام الحوار والهدوء لا القوة، لأن القوة لن تطفئ لهيب الشهوة والإدمان لهذه اللعبة، مع أهمية تنبيه النفس، فالشخص مستغرق بكل كيانه النفسي في اللعبة، ويمارس انفعالات وردود أفعال موجودة في نفسيته وفكره.

وينصح الخبير في القضايا الاجتماعية الأسرة بشغل أوقات أفرادها بقضايا معينة ومناسبات، وإشغالهم بأمور حقيقية تراعي أعمارهم، وتنبيه اللاعب أن هذه اللعبة خاصةً لا تعيد حقا ولا تقهر ظالما.

وفي دراسات حديثة حول اللعبة خلصت إلى أن لعبة - PUBG- تنمي العنف كثيرًا لدى من يلعبها، وتسبب التذمر الزائد، فكثير من الأهل أصبح أولادهم يتذمرون من أبسط الطلبات، أو أداء أهم واجباتهم، كون كل هذا يمنعهم من ممارسة اللعبة وقتل بقية اللاعبين للفوز، وغيرها من المخاطر التي تحدثنا عنها في سياق التقرير.