​مي الخطيب ترد "حقي" على سؤال أستاذ جامعي: "إنتِ ليش بتتعلمي أصلًا؟!"

لا تعرف المستحيل.. حكاية غزِّية فقدت بصرها صغيرةً وأصبحت معلمة كبيرةً

الخطيب من سكان بلدة جباليا في شمالي قطاع غزة
غزة/ هدى الدلو:

وقفت إحدى الطالبات التي تعاني كمعلمتها مي الخطيب فقدان البصر، وسألتها: "كيف يبدو شكل القمر؟"، فكلتاهما لا تعرفان شكله، لكنها أجابتها بكل ثقة لترسم لها عالمًا آخر غير العتمة التي تراها في كل مكان: "شكله كالموزة، وفي بعض الأوقات يكون كوجهك".

الخطيب من سكان بلدة جباليا في شمالي قطاع غزة، عانت طيلة حياتها ظروفًا صحية صعبة بسبب خطأ طبي.

قبل 30 سنة أخطأ الأطباء بوصفة علاج أعطيت للخطيب دواء للحمى الشوكية، فأفقدتها بصرها وأسنانها، لتخرج من عامها الأول بعد الميلاد بـ"كف بصر جزئي"، لكن معرفة ذلك احتاجت إلى ست سنوات أخرى، لاكتشاف أنها لا ترى.

ألحقها أهلها بمدارس المبصرين كباقي الأطفال لعدم علمهم بوضعها البصري، لكن معلماتها لم يراعين ظروفها الصحية، ولم يرحمنها من العصا التي كانت تنهش عرش أحلامها في ممارسة حقها في التعليم.

وقالت الخطيب: "كانت المعلمة تضربني باستمرار، وذات مرة خبطت رأسي بالشباك، وفي يوم دفعني هذا الضغط إلى الهروب من المدرسة، لكن والدتي أعادتني إليها، ضربتني المعلمة أمام أهلي، كانت تريدني أن أكتب، وأنا لا أرى لأكتب".

ذكريات صعبة

مرت الأيام ثقيلة عليها في المدرسة إلى أن جاء مجموعة من الأطباء المختصين لفحص نظر الطلاب، واكتشفوا حينها أنها تعاني مشكلة، فقرروا يومها أن تجلس في المقعد الأول في الصف، لكن بمجرد مغادرة الأطباء تعيدها المعلمة للمقعد الأخير.

بعدها قرر نقل الخطيب من مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) إلى مركز النور لتأهيل المعاقين بصريًّا، وبذلك بدأت رحلتها في عالم الإعاقة، وهي في الصف الثاني الابتدائي، تقرأ بخط مكبر، ثم نقلت إلى قسم "برايل" حتى تتعلم لغة المكفوفين رغم صعوبتها، وتدخل عالمًا جديدًا لم تعهده.

وتابعت حديثها: "بعدما انتهيت من مرحلتي الابتدائية والإعدادية، انتقلت في الثانوية العامة إلى مدارس المبصرين، فأول يوم في التوجيهي يمكن وصفه بأنه أصعب أيام حياتي، فكان لدي مخاوف مما حدث معي في الماضي أن يتكرر، وألا أتمكن من التواصل مع المدرسين وأندمج مع زميلاتي المبصرات".

وأشارت إلى أن دموعها السبيل الوحيد لتعبر عن كل شيء، فكانت كلما سمعت صوت الطباشير والمعلمات يكتبن على السبورة بكت، استمرت على هذا الحال أسبوعًا، حتى تعرفت إلى زميلة لها اسمها خديجة، تحدثت عنها: "كانت بمنزلة عينيّ في الصف، تحميني من كل شيء حتى نظرات الشفقة في عيون زميلاتي، كانت تحاول أن تخفف عني".

أما معلماتها فكن مشجعات لها، ويصفنها بأنها مميزة، ويقولن لها: "ربنا أخذ منك البصر وأعطاكِ بصيرة العقل، تتحدثين بطلاقة".

حقي أتعلم

حصلت الخطيب على معدل 73% في الثانوية العامة، واتجهت نحو دراسة اللغة العربية في الجامعة الإسلامية، دون معرفتها المرافق أو العالم الجديد، انصدمت في أول فصل بمعد 64%، لكنها لم تتوقف عند هذا الحد، لتأخذ على عاتقها الاستمرار، حتى بعدما طلبت من أحد الأساتذة تسجيل المحاضرة فرد عليها: "إنتِ ليش بتتعلمي أصلًا؟!".

فردت مي عليه: "حقي"، فصدمها بقوله: "اللي زيِّك لازم يضلهم في البيت"، حتى تخرجت بمعدل 76%، وتمنت حينها الذهاب إليه لتقول له: "إنني البنت الكفيفة التي جرحتها يوم طلبت منك التسجيل".

سردت موقفًا آخر حصل معها بعد قصف الجامعة عام 2008م، قائلة: "في عامي الجامعي الثاني ضاع مني المسجل الذي أسجل به محاضراتي، وكان مبنى المختبرات مهدومًا، فذهبت لأبحث عنه، وقعت في داخل المبنى في حفرة عمقها ثلاثة أمتار، لم أتمكن من الخروج إلا بعدما جاءت إحدى موظفات النظافة، ونقلت إلى المستشفى لإصابتي برضوض في أنحاء متفرقة من جسمي".

استمرت في دراستها، ولكن ما كان يؤزم وضعها النفسي أكثر من فقدانها البصر فقدانها أسنانها كاملة، فكانت محط سخرية بعض، أضافت الخطيب: "كنت عندما أقف أمام المرآة أشعر أن شيئًا ينقصني، كأني أرى ملامح وجهي مختلفة، فكانت مشكلة الأسنان أقوى من البصر، حتى أجري لي في السنة الرابعة من الجامعة عملية للأسنان".

نهوض وسط العتمة

بعد تخرجها التحقت بمشروع قيادات شابة التابع لوكالة الغوث لدمج السيدات ذوات الإعاقة في المجتمع، فكانت أول كفيفة تقتحم هذا المجال، وحصلت على بطالة مدّة 4 أشهر في روضة للمكفوفين، وكانوا يقولون لها: "فاقد الشيء لا يعطيه"، ولكن أثبتت لهم أنها أكثر شخص قادر على أن يقدم.

وأضافت: "في البداية كان الأمر صعبًا، وأسئلة الأطفال مرهقة ولا تجد لها إجابة، إلا أني تأقلمت، وحققت أحلامهم في أمنيتهم برؤية الأشياء وتحويلها من مرئي إلى ملموس، لنجاحي هذا امتد العمل حتى ثلاثة أشهر أخرى".

ثم انتقلت الخطيب إلى العمل في رابطة الخريجين والمعاقين بصريًّا، أمينة مكتبة ومسؤولة عن طباعة كتب "برايل"، وكانت تنجح في مساندة مصابي الحرب المدمرين نفسيًّا ومساندتهم لاستكمال حياتهم الجامعية أو العائلية.

لم تكتفِ بهذا الحد؛ فتوجهت إلى مجال إعطاء دورات في جامعة القدس المفتوحة في كيفية التعامل مع الكفيف، وعندما بدأت التنقل في الجامعة دون مساعدة أحد سمعت تعليقات من بعض: "كيف هذه كفيفة وتعمل هنا؟!"، "كيف ستضبط الشباب والبنات؟!"، وبعد مرور الوقت تمكنت من تخريج 25 شخصًا.

وتقدم دروسًا خصوصية للمبصرين في البيت لتعليمهم قواعد اللغة العربية باستخدام الحاسوب المحمول مساعدًا، وتعلم طلابًا مكفوفين، مستفيدة من تجربتها مع أخيها الذي فقد بصره أيضًا في السادس الابتدائي، وتمكنت من تعليمه لغة "برايل" حتى لا يتأخر سنة.

وقالت بفخر: "عُدتُ أخيرًا لمدرسة النور ولكن معلمة لعشرة طلاب، هم أطفالي، يطلبون حضوري في حصص الفراغ، يحبونني وأحبهم، أجعلهم يركضون، فليس شرطًا أن تكون مبصرًا ليلاعب الهواء وجنتيك في حين أنت تركض".

والآن مي تقدم دورات في لغة "برايل" في الجامعة الإسلامية، وفي العام الماضي خرجت عددًا من الطلبة، وجامعة القدس المفتوحة تدرس ملفها لتصبح مدربة "برايل" معتمدة في جميع أفرع الجامعة، حسبما قالت.

حملت الخطيب جملة والدتها: "لو ضليتي قاعدة هيقولوا عمية (عمياء) وقاعدة جنب الحيط"، وسارت بها مغمضة العينين، فخرجت بها من عالمها المعتم، معتمدة اعتمادًا كليًّا على ذاتها حتى في اختيار ملابسها.

وأضافت ضاحكة: "أشكر جيراني على تحملهم فتحي باب بيتهم والدخول عليهم بالخطأ عندما أضل الطريق".

وتحلم بحفظ القرآن الكريم كاملًا، بعدما أتمت حفظ قرابة عشرة أجزاء من طريق لغة "برايل".