​كيف واجهت غزة نار التطرف وعار الخيانة مُجتمِعين؟

عبد الله العقاد
الاثنين ٠١ ٠٤ / ٢٠١٩
عبدالله العقاد

وسط جنون التطرف اليميني الصهيوني، والذي طغى على كل مؤسسات الكيان الاحتلالي إلا القليل منه، وهذا القليل انحسر أكثره في مؤسسة الجيش الذي بدأت مؤخرًا سموم التطرف الديني اليميني تداهمه.

بعد أن وضعت حرب 2014 أوزارها، أخذت تتشكل قناعة داخل مؤسسة الجيش الصهيوني أن خيارات التعامل مع غزة باتت محدودة بل تكاد تكون محصورة في خيارين، وأن الحسم في شأنها أضحى ملحًا وبشدة.

فلم تعد سياسة التلكؤ والمماطلة، وانتظار الانهيار الذاتي مجدية، بالعكس فإن الواقع يبرهن على تزايد قوة المقاومة وقدرتها على إهانة (إسرائيل)، فيما لم يعد شيئًا يمكن أن تخشى المقاومة خسرانه.

أما عن الخيارين، فهما:

الأول منهما، احتلال غزة بالكامل، وإنهاء حاضنة المقاومة عسكريًا، ومن ثم فرض نفوذ سلطة التنسيق الأمني عليها، كما هو واقع الضفة الغربية.

وهذا في الحقيقة هو الخيار الأمثل لو تحقق، غير أنه فشل في حروب ثلاث، وحصار استمر أمدًا، بالإضافة إلى تكلفته الباهظة جدًا التي لا يمكن احتمالها في حال الرجوع إليه واعتماده من جديد، فقد أوصلت تقديرات عسكرية فاتورة الخسارة فيه ألف جندي غير خسائر جبهته الداخلية في الأرواح والممتلكات.

وعلى استحياء يتعللون بخسائر المدنيين الفلسطينيين التي ستكون عالية جدًا هي كذلك.

وإن كان هذا لا يؤخذ في أولويات صانع القرار عندهم إلا أنهم يضعونه في كادرهم المنظور؛ وذلك خشية انهيار أنظمة عربية قريبة منهم، وقد تكون أقربها إليهم السلطة التي يريدون تصديرها إلى غزة بعد إفراغها من المقاومة، وهذا ما قد يجعلهم يتورطون بإدارة شعب تحت احتلالهم، فتعود بذلك إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل تطبيق أوسلو، وقد تنفسوا يومها الصعداء بإلقائهم هذا العبء الثقيل عن كاهلهم.

الثاني، الخيار العملي والذي باتت تفرضه الظروف الملجئة، وهو ترك غزة أن تعيش، بفتح منافذ لها على العالم الخارجي، ورفع أغلال الحصار، وإعطاء أمل للغزيين في الحياة أو بالحياة.

فإنه في ظل فشل الخيار الأول، بل وقدرة المقاومة وحاضنتها على الصمود، ومقدرتها على التطور الذاتي الذي يصل إلى درجة الإبداع، يجد هذا الخيار الذي يمكن تسميته بالضرورة والذي تتبناه مؤسسة الجيش بقوة، ولا سيما بعد فشلها الحروب الثلاث من تحقيق أي نتائج سياسية أو ميدانية تذكر، وكان عرّابه الأبرز وزير الأمن والمواصلات لدى الكيان (يسرائيل كاتس).

لكن تناقض مكونات الائتلاف الحكومي اليميني، وضعف تماسه جعل الحكومة في المنطقة الرمادية.

وقد كان يساند التوجه وتبناه رئيس جهاز الشاباك (نداف أرغمان) صاحب النفوذ الأقوى في قضايا الشأن الداخلي، وأن موقفه هذا يتعلل بقوله: إنكم بذلك تكافئون حماس (المقاومة)، وتعاقبون عباس (التنسيق الأمني).

ولعل هذا سر الذي وجده رئيس سلطة التنسيق الأمني عباس في أنه يتفق مع الشاباك بنسبة بلغت 99%.

ومع تداخل هذه العوامل تكثّف هذا التوجه فكوّن هو الآخر خيارًا بين الخيارين السابقين، وأخذوا يدفعون جميعًا نحو حدوث الانهيار الذاتي في غزة من خلال إجراءات التجويع والإنهاك المتصاعدة التي تفرضها السلطة بمعاونة الاحتلال أو الاحتلال بمعاونة السلطة مع حصار متواصل.

وكان لهذا التوجه أن وجد فيه رئيس الحكومة في الكيان (بنيامين نتنياهو) أنهم الأسلم، وإن كان في تقديري غير مقنع لديه، إلا أنه يتماشى مع شخصيته الانتهازية؛ فيضمن تماسك حكومته، واستمراره في رأس الهرم السياسي.

ولكن، بعد الفشل الذي مُنِي به هذا الذي يمكن أن أسميه "خيار اللاخيار" في ظل نجاح "مسيرة العودة وكسر الحصار"، واستمرارها بعنفوان ثوري، وتطوير أدواتها المتصاعد التي أصابت الاحتلال بصداع شديد، وعملت على تحريك مستوطني الغلاف في كل مناسبة ضد إجراءات الحكومة الفاشلة في توفير الأمن، وفشل إجراءاتها كذلك في مواجهة الحراك الثوري.

وازداد الأمر تعقيدًا في أن يستمر هذا اللاخيار أو الرمادية بعد سلسلة التصعيدات العسكرية الأخيرة، إذ أوصلت رسالة المقاومة بليغة، من أن المراوحة في المكان والمماطلة في الإيفاء بالتزامات التهدئة ستصيب نيرانها ليس فقط الغلاف بل الجبهة الداخلية في الكيان كله، أو أن الغلاف قد اتسع ليصل منطقة الوسط (غوش دان).

وهذا ما يجعل خيار "اتركوا غزة لتعيش" متسيدًا، وتنتهي بذلك كل المزايدات التي أضحت نشازًا في العقل الجمعي الصهيوني، وليس إلا جعجعات فارغة.

وهنا يمكننا القول بأن شبق القوة والتطرف قد ارتطم على صخرة الصمود والإبداع الغزي العظيم.