إقرأ المزيد


​كيف لأمتنا شهودًا حضاريًا موعودًا؟

عبد الله العقاد
سبت ١٧ ٠٦ / ٢٠١٧

(1)

لا أفق أن تتوقف حالة نشوة القوة والعنترية الأمريكية في منطقتنا العربية والإسلامية، بل هي آخذة في الاستمرار التصاعد، فقد وصلت لمستويات أعمت تمامًا السياسات الأمريكية عن أي حقوق وأسقطت عن نفسها أي واجب اتجاه شعوب منطقتنا.

لذلك؛ لا تجد غرابة أن يكون الفيتو الأمريكي جاهز باستمرار لحماية الغطرسة التي يمارسها الكيان الصهيوني، وتنكره الدائم لكل مبادئ القانون الدولي.. حصارًا مجرمًا على الشعب الفلسطيني في غزة، وابتلاعًا متسارعًا جنونيًا للأرض في الضفة الفلسطينية، وتهويدًا بالعزل لفلسطينيي القدس عن غلاف المدينة المقدس، فيما تشهد حقنًا ديموغرافيًا لأعراق شتى تحت ذريعة الدين وأساطير من التاريخ..

وقد بلغت بهذه الحماية العنجهية الصهيونية مستويات عالية من السادية بأن تجري عمليات الإعدام الميداني لفتيان صغار وفتيات في زهور العمر على حواجز القهر والإذلال.. والتهمة جاهزة (الخشية من تعرض حياة الغاصبين المدججين بالسلاح للخطر).

فإنّك لا تكاد قاسمًا مشتركًا بين الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض شيئًا جامعًا بينها كما هو التعهد بالدعم المطلق للكيان في استمرار بقائه وتفوقه على محيطه ودعم سياساته العنصرية بشكل لا متناهٍ.

(2)

هذا بالنظر لانعكاس العنترية الأمريكية على القضية الفلسطينية كقضية عادلة ومحل إجماع لدى شعوب المنطقة العربية والإسلامية.

ولكن عند النظر إلى انعكاس العنترية الأمريكية على شعوب المنطقة؛ فإنّك تجد عجبًا عجابًا من قتل همجي، وتهجير قسري سواء بفعل ديكتاتوريات محكومات بشكل أو بآخر للمصالح الأمريكية في المنطقة، أو ما تقوم به القوات الأمريكية نفسها أو مرتزقتها المجندين في شركات أمنية عديدة، شهدت لبشاعة جرائمها سجونها السرية والعلنية سواء في أبو غريب أو سجنها الشهير غوانتانامو الذي جسّد بفظاعة ما كان يمارس في الحقبة السوداء في تاريخ أوروبا وجرائم محاكم التفتيش.

وأنّ ما نجده من امتداد الحرائق المذهبية والدينية والاثنية المفتعلة _بالقطع_ حتى لم يكد ينجو من فتنتها أحد فمن لم تتلوث يده بها فقد تلوث بها لسانه..!

ويبقى السؤال، ماذا نحن فاعلون في مواجهة هذا التردي السحيق الذي أغرى علينا في عقر دارنا أحقر وأذل أمة؟

وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن ننطلق من منظاري شعبي وآخر رسمي، فبالنظر للمنظور الشعبي، فما الذي يمنع الشعوب العربية والإسلامية قرارها بحيث تعمل جاهدة للخروج من حالة التبعية المذلة التي أردتها في مهاوي الردى وأودتها في غياهب المجهول.

(3)

وعندما نتحدث عن قدرات الشعوب وقوتها؛ فإنّه ليتأكد بما لا شك فيه أنّها كافية لقيادة تغيير جذري شامل، ونستطيع البناء الجاد بما يمكنها أن يكون لها مكانًا حضاريًا بين الأمم.

لكنّ، الشعوب بكل أسف تعرضت ولازالت لإحباطات مركزة ومستمرة؛ مما جعلها تفقد الثقة بقدرتها، وأن فريقًا منها ارتضى فريق بالقليل ونظّر للواقع بأنّه ليس أفضل في الإمكان مما كان.

وهذا ما أفقد شعوب الأمة الإرادة الحرة للفعل الثوري أو التصحيحي أو المبادأة نحو مسار تحولي يوقف ذلتها وهوانها على الناس؛ لتأخذ بعده مسارًا تصاعديًا في مضامير التنافس الحضاري والإنساني.

غير أنّ امتلاك الإرادة والمبادأة يستوجب الخروج من حالة غياب الوعي الممارس عليها بفعل إعلام تخديري بأشكال متعددة، يستهدف منظومة القيم والأخلاق، في الوقت الذي يسكر فيه العقول ويعمي الأفئدة.

ولهذا؛ لا بد من برامج توعوية واعدة تستهدف الجيل وفق مناهج تعليمية تعلمية يتشكل من خلالها نقلة نوعية، بموازاة إعلام وطني مسؤول يتناغم مع فلسفة المشروع الحضاري الواعد.

على أن تحرص هذه البرامج الوطنية كل الحرص على تعزيز روح العمل المشترك، والشراكة الوطنية والعربية والإسلامية كـ "دوائر انتماء" مترابطة لا ينفصل أحدها عن الآخر، وذلك في مقابل الفرقة والتشييع بغير الحق والعدل سواء كان ذلك لصالح العرق أو القبيلة أو اللغة أو المذهب.. إلخ

وهذا ما يتأكد به الابتعاد عن النزعة الانتقامية الثأرية من أدوات حِقب المذلة والهوان، وذلك على اعتبار أنّهم جزء من ضحايا هذه الحقب السوداء؛ لأنّهم _دون استثناء_ قد مسخت شخصياتهم بمفاعيل كثيرة، كان أخطرها الإعلام والمال في ظل غياب مناهج تعليمية حقيقية.

في الوقت الذي يتعزز فيه مبدأ التسديد والمقاربة؛ بالانطلاق من مفهوم أمة واحدة، وأن الهنات التاريخية وسقاطات الواقع لا ينبغي القياس عليها مطلقًا؛ فهناك فترات تاريخية لا تصلح شواهد حضارية بل مشهود عليها لا يستشهد بها بحال فالأولى بها طيّها.

(4)

فإنّ الأمم التي نجدها اليوم تسجل أعلى درجات الشهود الحضاري مرّت بحقب من البؤس والتخلف وسفك الدماء..، لا يُقارن بحل من حيث الكم والنوع بما شاب تاريخنا من شوائب لا تكاد تُذكر مع شهدته أوروبا من صراعات داخلية قومية ومذهبية ودينية وأخرى اقتصادية وسياسية.. إلخ

ومع ذلك فالأمم التي تريد بناء مستقبل أبنائها وتعيش حاضرها بعزة، تتحلل من نكبات التاريخ وعقده الأليمة، وتتذرع بكل ما يمكن أن يكون جامعًا موحدًا..

فما الذي يمنعنا أن نشق طريقنا نحو مستقبل نحقق في درجات الشهود الحضاري الموعود إن نحن منعنا سفهاءنا أموالنا وقرارنا وإعلامنا وتعليمنا؟!

ولنعلم أنّ أثمان المذلة والهوان التي نسددها هي أكثر بكثير فيما لو تحولنا لنصنع مستقبل عزتنا، إذا توفرت الجدية لهذا التحول التاريخي؛ فالأمر سيكون أيسر بكثير من واقع الحال الذي يحاصرنا في ذواتنا، وأنّ الجيل الذي لم يبدأ بعهده مسيرة التغيير؛ فستلاحقه المعرة والعار في الأجيال التي تأتي بعده.

(5)

أما ما يمكن أن يكون دورًا رسميًا في مسيرة التحول الحضاري للأمة، فماذا لا تبدأ الدول الناهضة الكبرى من بلدان العالم الإسلامي مسيرة الائتلاف والعمل المشترك والتكافل، وأن تتعالى في سبيل ذلك عن الخلافات البينية والتناقضات الفرعية أو الفرقة على أساس المذهب أو اللغة أو العرق.. وليكن الإسلام كمكون حضاري جامع لهذه الرابطة..؟

ما الذي يمنع أن تجتمع الدول الناهضة في مراحلها الأولى على مواجهة التناقضات الذاتية التي حطت الأمة إلى أدنى دركات مقاييس السبق الحضاري؟، فماذا لو كان التناقض الأوحد في هذه المرحلة مواجهة التخلف التقني..؟

فمن سيمنع تركيا وإيران وباكستان وماليزيا كدول ناهضة أو كبيرة صاحبة نفوذ أن تجتمع في إطار واحد ينسقون سويًا في القضايا ذات الاهتمام المشترك ويساندون بعضهم بعضًا في مواجهة التحديات التي تعترض مصالحهم؟

وأنّه ليس بالضرورة أن لا يكون هذا الإطار مقتصرًا على هذه الدول بل يمكن أن يفتح أبوابه لكل دولة عربية وإسلامية إن أرادت الولوج إلى كنف هذا الحلف فيكون مرحبًا بها.

فإنّ مثل هذا الحلف لا يُطلب منه غير أن يوحد جهوده في خدمة أهداف دوله المشتركة، والابتعاد عن الندية وتزعم المحاور بين أعضائه؛ فهم جميعًا يدًا على من سواهم.. فمن بالله يمكنه أن يمنع هذا الحلف إن أرادت دوله ذلك؟!

فالاتحاد الأوروبي الذي طوى تحت جناحيه كل تناقضات اللغة والاثنية والمذهبية وعُقد التاريخ؛ لتتحرك قارة كاملة _كانت قد أدمتها الحروب والثارات_ اليوم في انسجام وتناغم ووحدة موقف سياسي يشهد له القاصي والداني، كان قد بدأ كاتحاد الدول المصدرة للفحم.