إقرأ المزيد


​كرة المصالحة الفلسطينية في ملعب عباس

صورة أرشيفية
رام الله / غزة - يحيى اليعقوبي

محمود عباس رئيس حركة فتح، رئيس منظمة التحرير، رئيس السلطة الفلسطينية، مناصب لا يزال يحتفظ بها الرجل الثمانيني على رأس هرم النظام السياسي الفلسطيني، لكنه لم يكتف بذلك، فانتزع من المحكمة الدستورية صلاحية رفع الحصانة عن نواب المجلس التشريعي، مقابل صفر كبير حققه في تطبيق اتفاقات المصالحة، ومن ذلك امتناعه عن الدعوة إلى عقد الإطار القيادي لمنظمة التحرير.

بدا عباس لكثير من المراقبين موغلًا في انفراده بالحكم، ومتمسكًا بكونه "الآمر الناهي" في كل مؤسسات الشعب الفلسطيني الرسمية، بعيدًا عن أي محاسبة أو رقابة.

وذهب الرجل الذي أعيد انتخابه في رئاسة فتح خلال مؤتمرها السابع إلى تعميق الشرخ في الاختلافات في البرامج السياسية والنضالية الفلسطينية، باقتراحه برنامجًا تبنته حركته، اعتمد ما أسماه "السلام" خيارًا إستراتيجيًّا، مع إقراره بفشل حصول أي تقدم في التسوية مع الاحتلال منذ اتفاق (أوسلو)، ولم يأت على ذكر الكفاح المسلح الذي يحظى بتأييد واسع من الشعب الفلسطيني.

وذكر عباس في خطاب مطول أمام "السابع" أنه سيجري المشاورات اللازمة مع شركائه في منظمة التحرير وفصائل العمل الوطني، لعقد دورة للمجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية 2016م، لتعزيز دور المنظمة وإعلائه.

وبذلت شخصيات مستقلة من الضفة الغربية وقطاع غزة، وأخرى من فلسطين المحتلة سنة 1948م في 11 تشرين الأول (أكتوبر) جهودًا للدفع باتجاه إنجاز المصالحة الوطنية.

واجتمع وفد الشخصيات مع رئيس الحكومة رامي الحمد الله في رام الله، وذلك بعد ثلاثة أيام من لقائه عباس للغرض نفسه، لكن لم تبرز أي نتائج عن اللقاءات.

وطرح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي د. رمضان شلح في ذكرى انطلاقة حركته في 21 تشرين الأول (أكتوبر) مبادرة من 10 نقاط "للخروج من المأزق الفلسطيني"، منها إنهاء الانقسام، وتحقيق الوحدة، وصياغة برنامج جديد موحد وإستراتيجية على قاعدة التحلل من اتفاقيات أوسلو، ورحبت حركة المقاومة الإسلامية حماس وقوى فلسطينية بالمبادرة.

في خضم ذلك استمر قادة حماس في مد أيديهم إلى حركة فتح، سعيًا لتحقيق المصالحة الفلسطينية، بتطبيق الاتفاقات الموقعة، وتعزيز الشراكة الوطنية، وبناء الوحدة على أساس مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل.

لكنَّ خطوة واحدة في هذا الاتجاه على أرض الواقع لم يقم بها عباس، الذي يخوض صراعًا محتدمًا مع القيادي المفصول من فتح محمد دحلان وأنصاره في الحركة.

وعقب لقاء جمع عباس من جهة، ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل ونائبه إسماعيل هنية من جهة أخرى بالدوحة في أكتوبر؛ أكد الأول وجوب تحقيق المصالحة الوطنية وإزالة أسباب الانقسام بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء الانتخابات، وذكرت حماس أنها عرضت في اللقاء رؤية متكاملة لتحقيق المصالحة، وفق آليات عمل وخطوات محددة لتطبيق الاتفاقات السابقة في القاهرة والدوحة ومخيم الشاطئ بغزة، خاصة ما يتعلق بإجراء الانتخابات الشاملة بكل مستوياتها، مؤكدة في بيان لها مبدأ الشراكة الوطنية في مختلف المواقع والمسؤوليات.

وفي 29 تشرين الثاني (نوفمبر) أكد مشعل في كلمة ألقيت نيابة عنه في مؤتمر فتح السابع جاهزية حركته لكل مقتضيات الشراكة مع فتح وكل الفصائل والقوى والشخصيات لما فيه المصلحة الفلسطينية، قائلًا: "نحن شركاء في الوطن والقرار، ونحن جاهزون لكل مقتضيات هذه الشراكة معكم في حركة فتح، ومع جميع الفصائل، لمصلحة شعبنا وقضيتنا".

وخلال مقابلة مع قناة الأقصى الفضائية في 14 كانون الأول (ديسمبر) شدد مشعل على ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني بالشراكة الوطنية، وعلى أهمية العمل وفق برنامج نضالي يتمسك بخيار المقاومة، مؤكدًا سعي حماس إلى توسيع مشروع النضال والمقاومة.

وبين أن المصالحة لا تعني أن يخضع طرف لطرف آخر، ولا تعني أن يتطابق الجميع في البرامج، بل العمل شركاء مع التباينات في البرامج، والعمل بالقواسم المشتركة، وتعظيم الإنجازات بذلك، والتعاون الوطني.

وفي 14 ديسمبر أكد نائب رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية التزام حركته بنهج المصالحة والوحدة، مشيرًا إلى أنها أبدت المرونة اللازمة من أجل تحقيق هذا الهدف وجاهزة لاستحقاقاته، وقال: "لا إمكانية لتحقيق أهدافنا الوطنية دون تحقيق وحدة شعبنا في مواجهة الاحتلال".

ونبه عضو المكتب السياسي لحماس د. خليل الحية في اليوم نفسه إلى أن محاولات عقد المجلس الوطني الحالي دون تطبيق ما اتفق عليه "تضرب المصالحة الضربة القاضية".

وكانت حماس ووفد منظمة التحرير وقعا "إعلان الشاطئ" بغزة في 23 نيسان (أبريل) 2014م، الذي ينص إلى جانب تشكيل الحكومة على "الالتزام بكل ما اتفق عليه في اتفاق القاهرة، والتفاهمات الملحقة، وإعلان الدوحة، وعدها المرجعية عند التنفيذ"، وتضمن بنودًا أخرى تتعلق بإجراء الانتخابات بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة على الأقل، وعقد لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير في غضون خمسة أسابيع من توقيع الإعلان، والاستئناف الفوري للجنتي المصالحة المجتمعية والحريات العامة، إضافة إلى تفعيل المجلس التشريعي.

لكن عباس أيضًا لم يدع إلى عقد "التشريعي"، في حين استمر المجلس في الانعقاد بغزة.

وعقد "التشريعي" في 12 ديسمبر جلسة طارئة بخصوص قرار عباس رفع الحصانة عن خمسة من نواب فتح في المجلس، شارك فيها إضافة إلى نواب كتلة التغيير والإصلاح 15 نائبًا عن فتح في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.

وقطعت محكمة العدل العليا في أيلول (سبتمبر) الطريق أمام التحضيرات الجارية للانتخابات المحلية، في قرار وصفته حركة المقاومة الإسلامية حماس بأنه "مسيس، يرمي إلى "إنقاذ حركة فتح بعد سقوط قوائمها في عدد من المواقع الانتخابية".


"المؤشرات"

ومنذ بداية 2016م شهدت المصالحة بعض اللقاءات، لكنها لم تفض إلى خطوات عملية.

وأعلنت فتح وحماس في 10 فبراير توصلهما برعاية قطرية إلى تصور عملي محدد لآليات تطبيق المصالحة، على أن يتداول ويتوافق عليه في المؤسسات القيادية للحركتين، وفي الإطار الوطني الفلسطيني مع الفصائل والشخصيات الوطنية ليأخذ مساره إلى التطبيق.

وجاء ذلك في ظل امتناع حكومة رامي الحمد الله عن صرف رواتب الموظفين الذين عينتهم في قطاع غزة الحكومة السابقة برئاسة هنية.

وتطرق هنية في احتفال بمناسبة يوم التمريض العالمي في غزة في 11 أيار (مايو) إلى ملف الموظفين، فذكر أن السفير السويسري بول غارنير أبلغه خلال لقاء جمعه به في غزة بنية بلاده عقد مؤتمر يجمع العديد من الأطراف لبحث المصالحة الفلسطينية.

وبين هنية أنه أبلغ السفير السويسري أن البداية في ملف المصالحة الفلسطينية يجب أن تكون بالاعتراف بكل الموظفين في القطاع.

وأبدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 17 أيار (مايو) استعداد بلاده إلى القيام بدور لتحقيق مصالحة حقيقية بين الفصائل الفلسطينية، وقابلت ذلك بترحيب كبير فتح وحماس، اللتان أبدتا استعدادهما إلى التعاطي مع هذه الجهود.

والتقى وفدان من فتح وحماس في 19 حزيران (يونيو) في الدوحة، ضمن مساعي تحقيق المصالحة، دون نتائج على الأرض، إذ أكدت حماس أن فتح "أفشلت" لقاءات الدوحة بتراجعها عن الاتفاقات السابقة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الموظفين، وإعادة تفعيل المجلس التشريعي، وبرنامج الوفاق الوطني.

لكن أستاذ العلوم السياسية في جامعة بير زيت جهاد حرب يرى مؤشرات "إيجابية" قد تدفع المصالحة إلى الأمام في 2017م، معربًا عن أمله أن تؤسس لآليات للمصالحة، وعدم الذهاب إلى حوار من جديد.

ويقول حرب لصحيفة "فلسطين": "إن 2016م شهد حالة من "الجمود" في ملف المصالحة"، لكنه يبين أن كلمة مشعل خلال المؤتمر السابع لفتح، وتجنب عباس مهاجمة حماس خلال كلمته في المؤتمر "يعطيان مؤشرات إيجابية".

لكن ثمة سيناريوهات مطروحة بشأن المصالحة، يوضحها بقوله: "إما حدوث مصالحة وحوار جدي، أو بقاء الوضع على ما هو عليه، أو الانتقال إلى وضع أسوأ بهذا الملف".

ويعتقد أن المطلوب هو الحوار بشأن آليات تطبيق اتفاق القاهرة عام 2011م، وليس حوارًا للمصالحة نفسها، منبهًا في الوقت نفسه إلى "عقبتين" أمام المصالحة: الأولى تتعلق بالبرنامج السياسي للمنظمة، والأخرى تتعلق بنية السلطة الفلسطينية، ودمج الموظفين الذين عينتهم في غزة الحكومة السابقة برئاسة هنية، البالغ عددهم قرابة 40 ألف موظف، وإدراجهم إلى الخزينة العامة لوزارة المالية دفعة واحدة.

ويوافق أستاذ العلوم السياسية د. وليد المدلل على أن هناك مقدمات تؤشر على إمكانية حدوث مصالحة، معتقدًا أن ذلك لا يعبر عن "رغبة حقيقية في المصالحة لدى عباس بقدر ما هو تصفية حسابات مع القيادي المفصول من فتح محمد دحلان".

ويرى أن الطرف الأكثر مرونة في المصالحة هو حماس، الفائزة بأغلبية المجلس التشريعي في 2006م، التي توافقت على حكومة رامي الحمد الله، ووقعت إعلان الشاطئ، لدفع المصالحة قدمًا إلى الأمام.

وينبه إلى أن العقبة التي يمكن أن تحول دون تحقيق المصالحة هي الاحتلال، وبعض الأنظمة العربية، وأمريكا لحساباتها الخاصة.


ضمن ملحق تصدره صحيفة فلسطين حول أهم أحداث 2016 فلسطينيًا

تحرير صحفي: نبيل سنونو