​كلمات تفهم خطأ (4)

غزة- هدى الدلو:

كثيرًا ما نقرأ كلمات في القرآن الكريم فيتبادر إلى أذهاننا تفسيرًا في سياقها العام، ولكن في الحقيقة أن لها معنى آخر، وهي كثيرة، "فلسطين" تواصلت مع الأستاذ المساعد في تفسير القرآن وعلومه د. طارق عقيلان وهو محاضر في الكلية الجامعية لتنقل للقراء الأعزاء بعض الكلمات القرآنية التي تفهم خطأ فتخل في المعنى، وذلك استكمالًا لكلمات أخرى تم نشرها سابقًا.

فأشار إلى أن كلمة "تمنى" في قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، فيتبادر إلى الفهم أنَّ كلمة "تَمَنَّى" بمعنى طلب حصول الشيء المتعسر حصوله أو المستحيل، و"الأُمْنِيَة" هي الشيء المتمنَّى حصوله، ولكن المراد من الكلمة أي قرأ أو تلا أو حدَّث، و"أمنيته" أي قراءته وتلاوته وحديثه، فالآية في سياق تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه يلاقي ما لَقِيَه مَن سبقه من الرسل؛ أنَّ الشيطان يحاول إفساد ما يقوم به الأنبياء من هدي الناس، فإذا قرأ الرسول أو تلا أو حدَّثَ بشيء يدعوهم به إلى الحقّ، تصدى لذلك شياطين الإنس والجن لتشكيك الناس في ما يسمعون، فيُلْقي الشيطان في قراءته أو حديثه بكلمات أَسْمَعَها الكافرين ولا يُسْمِعها المؤمنين، وهي تتمثل في الوساوس والشبهات، وذلك ليصد الناس عن تعقل وفهم ما يسمعون.

وأوضح د. عقيلان أن كلمة "جيبك" في قوله: "وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"، ويتبادر إلى الفهم عند سماع كلمة "في جَيْبِكَ" أي الجيب المعروفة التي يوضع فيها الأشياء كالنقود وغيرها، لكن الصواب أنَّ كلمة "جَيْبِك" أي فتحة ثوبك التي يدخل منها الرأس، فالآية في سياق الحديث عن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام عند جبل الطور وتأييده بالمعجزات، إذ أمره ربه أن يُدْخِل يده في فتحة ثوبه لتخرج بيضاء تتلألأ.

ولفت إلى أن كلمة "أمه" في قوله: "وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ"، فيتبادر سريعًا إلى الفهم أنَّ كلمة "أُمُّهُ" أي الأم التي أنجبته، لكن الآية جاءت تبين حال أهل الشقاء في الآخرة، وقد ورد في كتب التفسير ثلاثة أقوال: الأول أن يكون المراد من "أُمُّه" حقيقة الأُم، و"هَاوِيَةٌ" أي هالكة، فالعرب يكنون عن حال المرء بحال أمه في الخير والشر؛ لشدة محبتها ابنها، والثاني أن "أُمُّهُ" المقرّ والمآل؛ لأنَّ الإنسان يؤوي إليه كما يؤوي الطفل إلى أمه، والمراد الثالث "أُمُّ رأسه" أي مقدمة رأسه أعلى الدماغ، والمعنى: سقط على أمِّ رأسه فهلك، وجميعها مراد؛ فمأواه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه فتحتضنه، كما يؤوي الطفل إلى أمه فتحتضنه.

وبين عقلان أن كلمة "نقر" في قوله تعالى: "فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ"، ويفهم منها الطَّرْق الخفيف، والصواب أنَّ النقر هنا النفخ، و"النَّاقُور" هو الصُّور أو البُوق أو قرنٌ كبيرٌ يُنْفَخ أو يُصَوَّت فيه، والآية في سياق إنذار المشركين بوقت النقر في الناقور وما يقع في ذلك اليوم، أي حين ينفخ إسرافيل في البوق.

أما كلمة (سبحا) في قوله: "إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا"، فقال: "قد يتبادر إلى الفهم حين قراءة أو سماع كلمة "سَبْحًا" معنى التسبيح والذكر، وهذا غير مراد، فهذه الكلمة ذات مدلول واسع هنا، وهي من بليغ الإيجاز، تدل على التقلُّب والتصرف دون إعاقة كما يسبح السابح في الماء، والآية جاءت علةً لما سبقها؛ لكن إما أن تكون تعليلًا لاختيار الليل للصلاة فيه، إذ في النهار شُغْلٌ لا يتأتى للإنسان أن يخلو بنفسه فيه، وينشغل القلب، وفي الليل يصفو الذهن ويحضر السمع والقلب، وإما أن تكون تعليلًا لـ"أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا"، أي إنْ نَقُصَ من الليل شيئًا لم تقم فيه، لا يَفُتْكَ ثواب عمله، ففي النهار متسعٌ للقيام والتلاوة، والمعنيان مرادان.