خُلق التغافل

عماد صيام
الثلاثاء ١٥ ٠١ / ٢٠١٩

ليس من الحكمة تَصيُّد أخطاء الآخرين والرد على كل إساءة، فعندما يقع البعض في خطأ لفظي أو فعلي وربما يكون غير مقصود أو صدر عن جهالة أو ضعف بشري، فإنَّ الدنيا تقوم ولا تقعد، فالزوج لا يتغاضى عن زلات زوجته، والزوجة لا تتسامح مع هفوات زوجها، والصديق لا يلتمس عُذراً لصديقه، ولا الجار لجاره ولا المسئول لموظفيه إلا من رحم الله، مع أنَّ الإمام أحمد قال: " تسعة أعشار حُسن الخلق في التغافل"، وقال الحسن البصري: "ما استقصى كريم قط"، وقال الأعمش: "التغافل يُطفئ شراً كثيراً"، وقال سفيان: "مازال التغافل من شِيَم الكرماء"، فما معنى التغافل؟

التغافل: هو تصنُّع الغفلة والتظاهر بها عن الزلات وعدم الالتفات إليها والاهتمام بها، فمهما بلغك من إساءة تراها أو تُنقل إليك من شخص ما فتغافل عنها كأنك لم تعلم بها، وكذلك ما يقع من المواقف المحرجة للبعض، فمن حسن الخلق التغافل عن ذلك وعدم إشعار صاحب الموقف بأنه شوهد أو شُعِر به.

قال الإمام ابن الوردي: "وتغافل عن أمـــــــــــــــــــــور إنه ** ليس يسعد بالخيرات إلا من غفل"

وقد علّمنا رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) هذا الخلق الكريم والأدب الرفيع، فعندما أسرّ إلى بعض أزواجه ببعض الأسرار ونبأت به وأظهره الله (تعالى) عليه، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعاتب بكل ما علم حتى لا يُحرج زوجته بمواجهتها بكل ما قالت، قال الله (تعالى): {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ُ}.

ومعظم المشاكل الزوجية وحالات الطلاق، والمشاكل التي تحدث بين الأرحام والجيران والأصدقاء والزملاء سببها تتبع الأخطاء والهفوات وتخزينها في سجل طويل حتى إذا ما جاء وقت الشيطان فُتح هذا الملف بكل شاردة وواردة ووقع ما لا يُحمَد عقباه، والبداية تكون بإساءة الظن الذي نهى عنه الله (تبارك وتعالى) فقال: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، وكذلك نهى عنه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فقال: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا"، فإذا أوقع الشيطان خاطر التُهمة وسوء الظن في نفس شخص فإنه يريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع فيحدث التدابر وتحل البغضاء.

أما عباد الرحمن فهم متسامحون، شيمهم الصبر على الآخرين وتحمل جهالاتهم وإساءاتهم، قال (تعالى): {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}، وأصحاب الخُلق الرفيع يتمثلون قول الله (تعالى): {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.