​حتى لا يطول انتظارهم في طابور البطالة

خريجو غزة.. الشهادة على الحائط و"الشغل مش عيب"

غزة - نسمة حمتو

لم يكن سهلًا على "مؤمن علي" (33 عامًا) أن يعمل في مهنة لا تناسب تخصصه العلمي، خاصة بعد أن واجه صعوبات كثيرة من أجل إكمال دراسته الجامعية، وأتبعها بمحاولات كثيرة بها من أجل الحصول على عمل يتفق مع خبرته التي اكتسبها في السنوات السابقة، ولكنها جميعًا باءت بالفشل، واضطر في نهاية المطاف للعمل في مهنة "العتالة" مقابل أجر مادي لا يساوي شيئًا مقابل تعبه طيلة النهار.

هذا الحال، يسري على كثير من خريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا في قطاع غزة، إذ تجد الواحد منهم يعلّق شهاداته الجامعية على حائط منزله، ويخرج نحو سوق العمل، معلنًا قبوله بأي فرصة توفر له أدنى متطلبات الحياة وتغنيه ذلّ السؤال، غير ملتفتين لتدني الدخل أو لنظرة المجتمع للمهن التي يتخرطوا فيها، ذلك لإيمانهم بأن "الشغل مش عيب".. في التقرير الآتي تستمع "فلسطين" لتجارب شباب خاضوا هذه التجربة.

محاولات فاشلة

لم يكن طريق "مؤمن" مفروشًا بالورود وهو من درس ثلاث سنوات في قسم "الأشعة" في جامعة الأزهر ومن ثم اضطر لتأجيل دراسته بسبب سوء الأوضاع المادية التي يمر بها، وبعد محاولات عدة لتوفير رسوم الدراسة، تمكّن من استدانة مبلغ من المال، فواصل دراسته الجامعية وحصل على الشهادة، لكن دون عمل.

قال لـ"فلسطين" عن معاناته بعد التخرج: "عندما وجدت أن محاولات العمل في مجال دراستي لم تجدِ نفعًا، لجأت للبحث عن فرصة في مهنٍ أخرى لا علاقة لها بما درسته".

وأضاف: "حتى بعد أن قبلت بالعمل بعيدا عن تخصصي، لم أُوفَّق، إلى أن عملت في مجال (العتالة) في محلٍ تجاري، ثم عملت سائقًا في مكتب سيارات أجرة، ثم سائقا لسيارة أجرة (على الخط)، وفي كل مرة كنت أحصل على مقابل مادي ضعيف جدًا".

عملٌ شاق

لم يختلف الأمر كثيرًا عند "عامر إبراهيم" (30 عامًا) فهو أنهى دراسته في تخصص الرياضيات وتخرّج بمعدل مرتفع، ولكنه لم يوفق حتى الآن في الحصول على فرصة عمل تناسب إمكاناته.

قال لـ"فلسطين": "سعيت كثيرا للعمل في تخصصي، حتى أنني لجأت لرفع معدلي الجامعي كي يلبي شروط الوظائف التي تعلن عنها المؤسسات الكبرى في غزة، وبعد أن فشلت في الحصول على الفرصة المرجوّة، عملت كعامل بناء في إحدى شركات المقاولات، وكنت أحصل على أجر قدره 200 شيكل في الأسبوع".

وأضاف: "كان عملي هو رفع أحجار البناء والاسمنت من الساعة السابعة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا، وهذا عمل شاق جدًا لم أستطع تحمله، لذا تركت العمل بعد أشهر قليلة من البدء فيه، وبحثت عن مهنة أخرى، ولم تكن أفضل من البناء وهي غسيل السيارات".

وتابع: "رغم عدد الساعات الطويل الذي أقضيه في غسيل السيارات والطاقة التي أبذلها يوميًا من السادسة صباحًا وحتى الثانية ظهرًا إلا أنني لا أحصل سوى على 20 شيكلًا فقط في اليوم، وهذا يعني أن دخلي لا يكفي لدفع قيمة إيجار المنزل الذي أعيش فيه أو لتوفير أدنى احتياجات أسرتي".

لأن مساعدتهن واجبة

المعاناة ذاتها عاشها الشاب "محمد خلف" (27 عامًا)، وهو حاصل على شهادة في تخصص السكرتارية الطبية بمعدل جيد جدًا، ولكنه لم يحصل على فرصة مناسبة ما اضطره للعمل كسائق على سيارة أجرة.

قال خلف لـ"فلسطين": "بحثت عن مهنة في تخصصي الجامعي، أو حتى تناسب عامين قضيتهما في الدراسة ودفعت فيهما كل ما أملك، لكن أخيرا اضطررت للبحث خارج هذه الدائرة، ولم يكن أمامي سوى أن أتقدم لوظيفة نادل في مطعم، وحتى هذه الفرصة لم أحصل عليها لكثرة المتقدمين لها".

وأضاف: "اضطررت في النهاية لمساعدة والدي في أعمال البناء مقابل مبلغ بسيط جدًا أحصل عليه، فلدي ثلاث أخوات يدرسن في الجامعة، إحداهن أجّلت الدراسة في الفصل الحالي بسبب عدم توافر الأموال الكافية، ومن واجبي أن أساعدهن كما ساعدني والدي في البداية".

دخل متدنٍ

"محمد مسعود" (29 عامًا) أنهى دراسته في قسم "تخطيط المشاريع" في الكلية الجامعية، وعلى الرغم من عدم كثرة خريجي هذا التخصص في القطاع بالمقارنة مع باقي التخصصات، إلا أنه لم يتمكن من الحصول على عمل مناسب.

قال "مسعود" عن معاناته في هذا الجانب: "حصلت على شهادتي الجامعية وعلقتها في المنزل، وبحثت عن مهن أخرى بعيدًا عن تخصصي الجامعي، والآن أعمل سائقًا في إحدى مكاتب سيارات الأجرة مقابل أجر بمقدار 150 شيكلًا أسبوعيًّا، وحتى هذا الراتب يتأخر صرفه فلا أحصل عليه في موعده".

وأضاف: "أنا متزوج، ولدي ابن، وزوجتي تدرس في الجامعة، وأسكن في غرفة في بيت العائلة، ولا أعرف كيف يمكن أن أتدبر أمري بهذا الدخل المحدود".

دائرة مفرغة

هذه الدائرة المفرغة التي يعيش فيها خريجو القطاع، لم يخرج منها "خالد حمدان" (33 عامًا)، فهو حاصل على درجة الماجستير في اللغة العربية، لكنه يعمل يبيع مستحضرات التجميل على "بسطة".

قال: "رغم طموحي، وكل محاولاتي للبحث عن عمل، إلا أن النهاية كانت (بسطة) في السوق، فقد واجهت نفس المصير المظلم الذي يعانيه شباب غزة، دون أن تشفع لي درجاتي العالية في شهادتي البكالوريوس والماجستير".

وتابع حديثه: "أيعقل أن يقضي الشاب أكثر من 20 عامًا من عمره في الدراسة وفي النهاية تكون المكافأة التي يحصل عليها فرصة عمل لا تناسب طموحه ولا أماله ولا توفر له دخلًا يمنحه حياة كريمة!"، مواصلا: "ها أنا بعد كل ما عانيته في الدراسة، ما أزال أعيش في غرفة صغيرة في منزل أهلي ولا أملك المال لأتزوج وأبني أسرتي وحياتي الخاصة".

وأردف: "كم من خريجٍ يجلس في منزله بلا عمل، وشغله الشاغل الحصول على فرصة عمل يحقق من خلالها طموحه، ورغم رضاه بأجر مادي بسيط مقابل العمل في نفس تخصصه إلا أنهم لا يجد الفرصة أساسًا".

إحباط شديد

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور معين رجب: "يضطر الخريجون للعمل في وظائف لا تتوافق مع دراستهم ولا مع رغباتهم بسبب حالة الإحباط التي تواجههم ووصولهم لقناعة بأن فرص العمل التي تناسب خبراتهم وقدراتهم غير موجودة".

وأضاف في حديث لـ"فلسطين": "الحاجة الملحة قد تدفع بعض الخريجين للقبول بأي فرصة عمل يحصلون عليها، دون الاهتمام بما إذا كانت في مجال تخصصه أو لا، أو إن كانت تحقق له دخلا جيدا أو ضعيفا، ودون التفكير في النظرة المجتمعية لتلك الوظيفة".

وتابع: "هذا الواقع يصيب الخريج بإحباط شديد، ولكن الأصل أن يسعى بكل ما أوتي من قوة للوصول إلى مراده، ويمكنه البحث عن فرص أخرى تتناسب مع ما لديهم من مهارات، وليس في مجال التخصص الجامعي فقط، فعلى سبيل المثال قد يكون لخريج كلية التربية حظ كبير في مجال الإعلام، فالعبرة أنك عندما تبحث عن فرصة ابحث في مجال يناسب ميولك".

وأكّد رجب: "لا يجوز للخريج أن يستسلم بهذه الصورة، فالفرص التي يقبل بها اليوم، لن تبني له مستقبلًا، ولن تكون كافية للحصول على متطلباته الأساسية فيما بعد".

وشدد على أهمية التحاق الخريج بفرص تدريب مناسبة لتنمية المهارات الموجودة لديه، ومن خلالها يستطيع التشبيك مع المؤسسات ذات العلاقة بالعمل.