​خليل الغرابلي شهيد "الأنفاق" الذي وهبَ روحه لله والوطن

غزة - نور الدين صالح

"قوافل الشهداء لا تمضي سدى، إن الذي يمضي هو الطغيانُ، أماه لا تهني إن أتيتك على الأكتاف محملًا؛ فالجنة بإذن الله من نصيبنا ولنا فيها موعد"، تلك الكلمات تختصر حكاية كل الشهداء الذين يعملون في مجال الإعداد والتدريب.

"فلسطين" تلقي الضوء على نخبةٍ ممن يعملون في الإعداد والتدريب بالأنفاق، هؤلاء الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، ووهبوها لله والوطن، اختاروا طريق العزة والكرامة، وأبوا أن يختاروا طريق الذل والهوان، لأجل أن يحيا أبناء مجتمعهم حياة كريمة عزيزة.

"أنا مشروع شهادة، وعملي هذا كله لله والوطن، ولا أبتغي غير مرضاة الله منه"، هي كلمات مُقتبسة من حوار دار بين الشهيد خليل الغرابلي ووالده، قبل أن ترتقي روحه الطاهرة إلى خالقها، خلال أداءِ مهامه في الإعداد والتدريب.

وفي لمحةٍ سريعة عن الشهيد؛ حين بلغ خليل الحادية عشرة من عمره ارتبط بــ"العمل الجماهيري" في المسجد القريب من بيته الكائن في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، على وفق ما روى والد الشهيد إسماعيل لمراسل "فلسطين".

وعلى صغر سن خليل حياته تحمل الكثير من التفاصيل المُفعمة بحب الوطن والانتماء إليه، والعمل لأجله، الأمر الذي أثار شغفه بالارتباط بالعمل الجهادي، عندما "شد عوده" في التاسعة عشرة من عمره.

هنا كانت العلامة الفارقة في حياته، عندما انتمى خليل إلى خلايا الإعداد والتدريب العاملة في مجال الأنفاق، غير مكترث للخطورة التي يتمتع بها العاملون في ذلك، ما يدل على أنه وهب روحه رخيصة لله والوطن.

مراسل "فلسطين" زار منزل الشهيد والتقى والده، فبعد مرور ثلاثة أعوام على استشهاد خليل حادثته حملت الكثير من الخفايا، لاسيما أنه نالَ أمنيته التي طالما حلمَ بها منذ الالتحاق بركب المقاومة.

ويسترجع والد الشهيد ذاكرته بصمتٍ، وعلامات الشوق تجتاح تفاصيل وجهه القمحي، إذ أخذ يُعدد مناقب الشهيد وحبه للجهاد في سبيل الله، قائلًا: "على صغر سن خليل كان يحظى بعلاقات واسعة مع المُنتمين إلى هذا العمل".

التحق خليل بقرابة 13 دورة مختصة في مجال (الإعداد والتدريب في الأنفاق) لكسب أكبر قدر من الخبرات.

كاتم الأسرار

يُقلب والد الشهيد "دفتر" ذكريات ابنه البكر، مستحضرًا بعض المواصفات التي تحلى بها ابنه طيلة مدة عمله في هذا المجال، وأبرزها عدم البوح بالمهام المُلقاة على عاتقه، والخطورة التي يواجهها، حتى للمُقربين منه، ومن بينهم والداه.

على مدار السنوات الأربع التي أمضاها في "الإعداد والتدريب" حاول والده الحديث إليه في هذا الموضوع أكثر من مرة، لكنه كان يكتفي بالإجابة: "أنا بخير، كن مطمئنًا؛ أنا في أمان تحت الأرض أكثر من فوقها".

كل محاولات الأب لمعرفة مدى خطورة ما يواجهه ابنه باءت بالفشل، حتى بات يُطلق عليه لقب "كاتم الأسرار"، فعنه يقول: "ابني كان حريصًا جدًّا على عمله دائمًا، وعدم إبراز أي معلومات عنه".

حادثة الاستشهاد

في يوم التاسع عشر من شهر يونيو عام 2014م، وعندما اقتربت عقارب الساعة من العاشرة، إذا خبر هز أركان مدينة الشجاعية، بل يمكن القول إن القطاع كله فُجع عند سماعه، يفيد باستشهاد خمسة مجاهدين بانهيار نفق على الحدود الشرقية للقطاع.

"كيف استقبلتَ نبأ الاستشهاد؟"، يصمت قليلًا قبل الإجابة عن سؤالي، ثم تغرورق عيناه بالدموع، قائلًا: "كنت مستعدًّا لسماع خبر استشهاده في أي لحظة، تلك كانت أقصى أمانيه منذ التحاقه بركب المقاومة".

تفاصيل الاستشهاد ربما بقيت غامضة آنذاك مدة طويلة، الأمر الذي دفعنا إلى السؤال عنها مجددًا، مع عدم معرفة والده بها كلها، يجيب: "كل ما توافر لدي من الطب الشرعي، أن النفق محقونٌ بمادة سامة، وتفاعلت مع المواد التي يستخدمها المجاهدون، وأدى ذلك إلى الاشتعال"، مستدلًّا على ذلك بوجود "حروق" على جسد ابنه وأجساد رفاقه.

ويختم والد الشهيد قوله بـ: "خليل نال ما كان يحلم به ويتمناه طيلة حياته".

تجدر الإشارة إلى أن الشهداء الأربعة: سلمان نعيم الحرازين، وأحمد خليل عياد، وإبراهيم صالح العرقان، ورائد كامل مرشود، وهم جميعهم من حي الشجاعية بغزة، واستشهد سادس، هو حسن توفيق مسعود من رفح، أحد أفراد الدفاع المدني الذي استشهد في أثناء محاولته انتشال جثامين الشهداء.

مواضيع متعلقة: