إقرأ المزيد


​خان الشيح: العودة إلى البداوة!

د. أسامة الأشقر
جمعة ٠٢ ١٢ / ٢٠١٦


خانٌ عظيم من خانات الطرق القارّيّة هو كالفندق اليوم كان يؤوي في لياليه الصائفة والشاتية قوافل كاملة من التجار المتجهين صوب مصر وفلسطين من دمشق أو ما حولها إلى فلسطين ومصر، إذ كان لدمشق ثلاثة خطوط تبتدئ من الكسوة ومن داريا ومن المزة ، وكان خان الشيح على طريق خط داريا...

نشأ هذا الخان في الحقبة العثمانية، ونُسِب إلى نبات الشيح البلديّ البريّ العطريّ ذي الأوراق الطويلة المخصّرة الذي يعيش في التربة الرملية الخصبة التي تشتهر بها المنطقة الزراعية.

يقع الخان على بعد نحو 30 كلم إلى الجنوب الغربي من دمشق، وقد أصبح اليوم على الطريق الواصلة بين دمشق والقنيطرة بعد أن انقطعت طرق فلسطين البرية بالاحتلال الصهيوني.

لقربه من فلسطين؛ فقد استقبل هذا المكان أوائل المهاجرين الفلسطينيين عام النكبة 1948م، ومن هناك توزّعوا في مخيمات اللجوء والتشرد ...

إنه واحد من المخيمات العشرة التي تعترف بها الأمم المتحدة، وقد أصبح بعد أن استقرت موجات اللاجئين ثالث أكبر المخيمات الفلسطينية المعترف بها.

كان يعيش فيه مجتمع عشائري فلسطيني أكثره من عشائر المواسي والصبيح والوهيب والهيب والزنغرية والشمالنة والخوالد والتلاوية والسمكية والويسية والسياد، وعشرات غيرها ... ، وهي ليست عشائر بدوية رغم أن أصلها كذلك، فقد تمدّنت هذه العشائر في الجليل الفلسطيني واستقرت في مجتمعات مكانية واحدة، وتركت حياة الترحّل واشتغلت بالزراعة والرعي، لكنها بقيت تحافظ على عادات البادية وتقاليدها، وكان ذلك في حقبة تاريخية ليست بعيدة وربما كان ذلك في حقبة ظاهر العمر الزيداني.

كان الخان مجتمعاً فلسطينياً بنكهة بدوية، وكنا نحب الذهاب إليه، إذ إنه على بعد 60 كلم من فلسطين، فيمكنك أن تشير لأرض فلسطين من هناك، وتقول خلف هذا الجبل كنا نعيش!

تحولت مزارعه الحقْليّة الخضراء حوله إلى مجامع فلل سكنية تنتشر فيها المسابح الأسرية، وأصبحت متنزّهاً للكثيرين من الباحثين عن الراحة على أطراف المخيم.

تحولت هذه المزارع المترفة وبيوت الفلسطينيين الصغيرة إلى ملاجئ لآلاف العائلات الهاربة من القصف اليومي الشنيع، وتحولت المنطقة إلى حاضنة للمظلومين المحاصرين، وتسللت إليها من خارجها وعلى أطرافها مجموعات من المرتزقة العاملين في تجارة الكوارث والحروب ممن لهم صلات ممتدة بالنظام وغيره، وتعقّدت الأحوال هناك، وتوتر المجتمع المكتظّ، وتضاربت فيه الرؤى والمصالح، فيما كانت آلة الحرب قد قررت تصفية الوجود الفلسطيني والوجود الجولاني من النازحين فيه وحوله وطردهم إلى المجهول في إقليم إدلب الواقع تحت سيطرة ثوار سوريا الذين يعانون من القصف اليومي والدمار الساقط جحيماً كل يوم.

بكينا خان الشيح اليوم كما بكينا من قبله مخيم اليرموك، أصابنا العجز الكامل، فالكارثة الكبرى في سوريا جعلت كل كارثة صغيرة في جنب الكارثة الأكبر ...

هل ستعود عشائر خان الشيح إلى بداوتها الأولى وتهاجر في رحلة ممتدة بحثاً عن مستقر! أم أن اتجاه القبلة ما يزال جنوبياً إلى فلسطين، أرض الآباء والأجداد؟ هل سنبحث لكم عن خيمة طارئة تتناوشها وحوش الحرب؟ أم سندفعهم شمالا أو غرباً نحو البحر؟ أم أننا سنتابع مسيرهم بصمت؟ أم سنحملهم إلى بلد إفريقي ما زال يحمل إنسانية الإنسان القديم؟

لا أدري ... إنما لا يجوز لنا أن نشاهد دون أن نتلاقى لنجد حلًّا ما أو ظلال حلول!

مواضيع متعلقة: