إقرأ المزيد


​جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية وانعكاساتها المستقبلية (1-3)

أ. د. وليد عبد الحي
سبت ٢٧ ٠٥ / ٢٠١٧

أولاً: دوافع جولة ترامب:

تمثل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسبوع الأخير من أيار/ مايو 2017 مؤشراً أولياً على الخطوط العريضة لسياسته الشرق أوسطية، والتي يمكن تحديدها في ثلاثة اتجاهات كبرى هي:

أولوية البعد التجاري المالي على البعد السياسي في العلاقات مع الدول العربية.

أولوية ربط عدم الاستقرار الإقليمي بالدور الإيراني، وليس بانعكاسات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.

أولوية التطبيع العربي مع (إسرائيل) على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية.

وقبل الدخول في تحليل هذه الأولويات ودلالاتها المستقبلية، لا بدّ من الإشارة إلى أن ترامب يسعى لتحقيق إنجازات خارجية في أقاليم رخوة —كالشرق الأوسط— ليكبح تداعيات مآزقه الداخلية المتمثلة في هواجس تداعيات مزاعم حول صلة الروس بنجاحه في الانتخابات، والتي يبدو أنها قضية تأبى أن تتوارى؛ ثم محاولة تخفيف صورته المهزوزة لدى الرأي العام الأمريكي والتي رسمتها دوائر الإعلام الأمريكية والغربية؛ إلى جانب اتهامه "بعدم الأهلية" للمنصب من قِبَل نخبة مهمة من علماء النفس الأمريكيين (35 عالماً) والذين وقّعوا على بيان بذلك؛ ناهيك عن دعوات أساتذة قانون دستوري في أبرز الجامعات الأمريكية لمحاكمته على مخالفات دستورية؛ ومواجهته الداخلية مع دوائر الهجرة والمحاكم الاتحادية، والفارق الكبير بين خطاباته في حملاته الانتخابية وخطاباته بعد الانتخاب، في موضوعات عديدة داخلية وخارجية واتهامه بالكذب بنسبة تصل لـ 76% من أقواله كما سنبين لاحقاً.

بناءً على هذا الوضع الداخلي لترامب اختار الشرق الأوسط، ليحاول تحقيق إنجازات تعزز مركزه الداخلي، ويسترضي جماعات ضغط مؤثرة في الجسد السياسي الأمريكي، مثل جماعة المُركَّب العسكري الصناعي Military Industrial Complex، واللوبي اليهودي الصهيوني، وبعض الشرائح المسيحية المتطرفة، لا سيّما من المحافظين الجدد وطبقة أصحاب رؤوس الأموال.

ثانياً: المرحلة الأولى من الجولة:

بدأت رحلة ترامب بالمملكة العربية السعودية، التي نظمت مؤتمراً إسلامياً عربياً أمريكياً في الرياض، تحدث فيه ترامب وغيره من القادة العرب، وانتهى المؤتمر ببيان يمكن التوقف فيه عند النقاط التالية:

غياب أيّ إشارة في البيان —نصاً أو تأويلاً— وبشكل تام للصراع العربي الإسرائيلي أو القضية الفلسطينية أو الاحتلال للأراضي العربية، وبالرغم من إمكانية التعلل بالإشارات العامة وغير الواضحة لتسوية الصراعات في المنطقة، فإن تواري الموضوع الفلسطيني بشكل تام وراء دخان الموضوع الإيراني، يشير بشكل قاطع لمفهوم التحالف والشراكة الاستراتيجية التي نصّ عليهما البيان في فقرات لاحقة.

لما كانت الولايات المتحدة هي الطرف المركزي في المؤتمر، فإن خطاب ترامب يُعدُّ جزءاً من وثائق المؤتمر، وقد أشار ترامب في خطابه إلى أن حركة حماس (وحزب الله ومعهما بشكل ضمني حركة الجهاد الإسلامي) تقع كلها ضمن المنظمات الإرهابية التي تكررت الإشارة لها في البيان لمرات عديدة (وهو ما كُنتُ قد تنبأت به في مقال منشور في 17/10/2015، أي قبل أكثر من سنة ونصف، وقلت بأن (إسرائيل) وأمريكا تسعى لدمج حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله في إطار مكافحة الإرهاب)... . وهنا لا بدّ من ربط ذلك بجوانب أخرى وردت في البيان وهي:

يقول البيان إن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي سيبدأ الانضمام إليه سنة 2018. وعلينا أن نلاحظ أن اسم التحالف هو التحالف الشرق أوسطي الاستراتيجي وليس التحالف العربي الإسلامي الأمريكي. فالاسم الأول يتيح لـ(إسرائيل) التقدم للعضوية خلافاً للثاني، الذي أشير له بتعبير "الشراكة بين الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة". فماذا لو تقدمت (إسرائيل) بطلب العضوية، إذ إن البيان يشير إلى إطارين هما "تحالف شرق أوسطي استراتيجي" وهو ما يشمل (إسرائيل) وإلى "شراكة عربية إسلامية أمريكية"، والتعبير الأول أوسع التزاماً من الثاني من حيث العضوية والمهام الموكلة له؛ بل إن درجة الالتزام بـ"التحالف" أكثر من درجة الالتزام بـ"الشراكة".

ينص البيان على فتح باب التوقيع على اتفاقية تعاون في مجال مكافحة "تمويل الإرهاب"، ويتم ذلك —حسب البيان— من خلال تأسيس مركز لاستهداف تمويل الإرهاب. ولما كان الطرف المركزي في الاتفاق هو الولايات المتحدة، فإن ذلك يعني أن أيّ مساعدات عربية لمنظمات فلسطينية ستقع ضمن تمويل الإرهاب. وعليه فإن على حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي تحديداً أن تستعدا لاحتمالات أبرزها التضييق المالي عليهما —أو تجفيف مصادرهما المالية بلغة البيان— سواء من الأفراد في الخليج أم من الدول الخليجية؛ مع ملاحظة أن المراقبة ستأخذ طابعاً مؤسسياً، حيث جاء في نصّ البيان "تشكيل فرق عمل ولجان وزارية ورفع تقارير دورية" عن مدى تقدم هذه الجوانب. وهو ما يعني المتابعة لكل خطوة عربية أو إسلامية تجاه حركات المقاومة الفلسطينية المسلحة وأشخاصها بصفتهم تنظيمات "إرهابية" وفق التفسير الأمريكي.

يدعو البيان إلى "التصدي ومنع الهجمات الإرهابية". وطبقاً لسياق المؤتمر وتوصيفاته فإن هذا التعبير يمتد بدلالاته إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، طالما أن ترامب وضع التنظيمات الفلسطينية المسلحة ضمن قوائم الإرهاب، وعليه فإن دول البيان ملتزمة بمعاقبة حماس، أو الجهاد الإسلامي، أو غيرهما في حال القيام بأيّ عمليات ضدّ الاحتلال.

نصّ البيان على تأسيس مركز عالمي (وتعبير "عالمي" وليس عربيا أو إسلاميا يشمل (إسرائيل) وغيرها) لمواجهة الفكر المتطرف. فهل سيمتد دور هذا المركز إلى الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى؟ إن مثل هذا المركز ينطوي على احتمال للضغط على العربسات والنايل سات لإغلاق المحطات الفضائية التابعة لحماس والجهاد الإسلامي (كما جرى مع قناة المنار). بل قد يمنع توزيع الصحف والمجلات أو مراكز الأبحاث التي تساند مواقف هذه التنظيمات، وقد يمتد الأمر إلى اعتبار أي مستوى من الانتفاضة في الأراضي المحتلة على أنه "تحريض وتعزيز لثقافة الكراهية".

ولا شكّ بأن مثل هذا البيان سيلقى رضاً كبيراً لدى اللوبي اليهودي، الذي يشعر ترامب بأنه في أمسّ الحاجة له في مواجهاته الداخلية مع القوى التي تمت الإشارة إليها.

ثالثاً: البعد التجاري المالي في المرحلة الأولى للجولة:

لقد نجح ترامب في عقد صفقة لبيع السلاح الأمريكي للسعودية، وفي جلب استثمارات سعودية للبنية التحتية الأمريكية، وهو ما جعل قيمة الصفقة تصل إلى نحو 400 مليار دولار. وهي صفقة ستُبهج جماعة المُركَّب العسكري الصناعي الأمريكي. ويكفي أن نعلم أن 15 من كبار المسؤولين في البنتاغون ممن عيّنهم ترامب هم من ذوي العلاقات المباشرة مع المركّب العسكري الصناعي الأمريكي (مثل جارد كوشنر، وبنيامين كاسيدي، وجوناثان هوفمان، وجيم ماتيس، وجون كيلي، وبات شانهان، وهيثر ويلسون، وكيث كيلوج، وتشاد وولف، ولورا رايس، ومايكل كاتنزارو، وجوستون ميكولي...إلخ). وكانت أولى مؤشرات العلاقات بين ترامب والمُركَّب العسكري الصناعي هو زيادة ترامب للإنفاق العسكري بنحو 54 مليار دولار.

إن الاتفاق السعودي الأمريكي الذي ينص على شراء أسلحة أمريكية بمبلغ 350 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة، حيث تبدأ بصفقة فورية قيمتها 110 مليار دولار، يعني أن المركّب العسكري الصناعي (الذي كشف عنه منذ أكثر من نصف قرن الكاتب الأمريكي رايت ميلز وحذر الرئيس الأمريكي الأسبق آيزنهاور في ستينيات القرن الماضي من خطورته) سيدفع نحو تأجيج النزاعات الدولية (دون انخراط مباشر فيها، وهو ما اتضح في خطاب ترامب في مؤتمر الرياض من أن على دول المنطقة أن تحمي نفسها بنفسها) لإفساح المجال لمزيد من مبيعات السلاح للمتصارعين. وهو أمر يتضح من حجم المبيعات العسكرية الأمريكية على المستوى العالمي بشكل عام والشرق أوسطي بشكل خاص، وهو ما يتضح في أن أغلب الحروب الإقليمية تدور بسلاح أمريكي مع الطرفين أو مع أحدهما.

يضاف لصفقات الأسلحة أنباء عن استعداد سعودي لاستثمار نحو 40 مليار دولار في البنية التحتية الأمريكية، ناهيك عن الاستثمارات الموجودة أصلاً في الأسواق الأمريكية.

لكن من الضروري التذكير بأن الرئيس السابق أوباما سبق له أن عقد اتفاقاً مع السعودية لمبيعات عسكرية بنحو 115 مليار دولار، لكن التنفيذ تعرض للعرقلة لخلافات حول السياسات السعودية الداخلية والخارجية.