​جوهرة الامتنان

مريم السقا
الأحد ٢٨ ٠٤ / ٢٠١٩


إن امتلاك أحدهم الجواهر والأحجار الكريمة؛ كالياقوت والزمرد والألماس والفيروز يجعله ثريًّا وميسورًا ماديًّا، ولكن امتلاكك الجواهر المعنوية يجعلك أكثر ثراءً؛ لأن غِنى النفس أعظم، والجواهر المعنوية تتمثل في كثير من الصفات الإيجابية التي تحملها داخلك، لكن الامتنان هو أعظمها، وإن كانت الجواهر المعنوية تُقاس بالأسعار لوجدتَ أن الامتنان أعلاها، وصدق القائل: "القناعة كنز لا يفنى".

الامتنان نعمة عظيمة لا يشعر بها سوى ثلة نادرة من الناس، والامتنان هو امتداد للقناعة، وأعلى منها درجة، فالامتنان من المنة؛ أي أن تستشعر نعم الله عليك بكل ذرة من كيانك؛ فتشعر بهذه النعم كأنها شيء مادي ملموس تتحسسه بين يديك بعد أن يفيض القلب باستشعارها.

ثم لا شك أن للامتنان ثمارًا شهية المذاق، وإنه يحمل طاقة إيجابية عالية تجذب لك مزيدًا من الخير والسلام في حياتك، ومن بعض التجارب وُجد أن له أعلى طاقة في الترددات بعد طاقة الحب، وهذا ما يزيد معدل السعادة والطمأنينة، لأن كل الطاقات الإيجابية تشبه المغناطيس الذي يجلب لك مزيدًا من الخير.

لن أطيل الحديث عن آثاره الطيبة، لأنك ستدرك لذة سحرها بنفسك، إذا ما استطعت أن تمارس الامتنان في كل أقدار حياتك، فشكر النعمة يزيدها {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم:7)، والرضا بالقضاء والقدر الذي لا يشوبه استسلام سيمنح روحك السلام والاطمئنان.

وتتعدد مظاهر الامتنان في استشعار نعم الله عليك بتذكرها وعدّها، والاستمتاع بها، والشعور بروعة ما تملك، فتجد قلبك وكأنه حل عليه الربيع وتفتحت أزهاره التي هي ما تملك من نعم، ومن مظاهر الامتنان أيضًا تقدير الأشخاص الآخرين وشكرهم ومدح مناقبهم؛ لأنك بذلك تكون بدأت تنقل الامتنان الذي فاض عنك إلى من حولك.

ويمكن أن يكون الامتنان أيضًا للأشياء التي ما زلنا نأمل امتلاكها أو الحصول عليها، وهذا أكثر ما نال إعجابي مما اكتشفته حديثًا؛ وهذا يعني أن نستشعر ما ننشده ونطلبه وكأنه موجود في حياتنا فعليًّا مع شكر الله على وجوده.

وقد لجأ اختصاصيو علم النفس حديثًا إلى معالجة مرضاهم من الاكتئاب بكتابة كل الأشياء الجميلة في حياتهم التي تشعرهم بالسعادة، ويطلبون منهم قراءتها كل ما شعروا بالضيق.

تذكر دائمًا أن العوائد المعنوية أكبر قيمة من العوائد المادية، لأن العوائد المادية إذا أنفقتها لا تعود، أما العوائد المعنوية فإذا أنفقتها فستزداد؛ فإنفاقك الامتنان بشكر الله وتقدير الآخرين سيعود عليك بعظيم المعجزات.

ممارسة الامتنان سهلة جدًّا؛ وكل ما عليك فعله هو أن تفسح الطريق للبهجة وسط مُعتركات الحياة التي تصيبك، وارضَ بالقليل كأنه الكثير، ثم ستجد نفسك تمتلك قوة داخلية عظيمة تمكنك من مداواة جروحك؛ وحينما تقول: "الحمد لله" تخيل كأنها تجري مع الدم في عروقك؛ تبث لك طاقة هائلة داخلك.