​جرحى مسيرة العودة.. آلام ممزوجة بالإصرار على حقهم في أرضهم

أحد الجرحى يتلقى العلاج بمستشفى الشفاء (تصوير / رمضان الأغا)
غزة - نور الدين صالح

أصوات الأجهزة الطبية بمختلف أنواعها بما فيها التنفس الاصطناعي، تعلو أرجاء إحدى غرف قسم العناية المركزة في مجمع الشفاء الطبي بغزة، حيث يرقد جرحى مسيرة العودة، التي نصبت خيامها على الحدود الشرقية للقطاع.

لا يكاد الشبان الجرحى الذين ألقت بهم قناصة الاحتلال الغادرة على أسرّة المرض، يملكون القدرة على الحديث نظرًا لخطورة أوضاعهم الصحية، بفعل الرصاص الحي والمتفجر الذي اخترق أجسادهم العارية.

يتوسط هؤلاء الجريح "يوسف" ابن التاسعة عشرة ربيعًا، حيث أرغمته رصاصة "متفجرة" استقرت في "رُكبته"، على الاستلقاء على أحد أسرّة غرفة العناية المركّزة في مجمع الشفاء الطبي.

يحاول الاستعلاء على جراحه، رغم عدم قدرته على الحركة، كي يستفيق من نومه ويرى ما يدور حوله، استغل مراسل صحيفة "فلسطين" هذه الفرصة للحديث معه حول ما جرى معه على الحدود الشرقية لغزة، فيروي: "كنت أصوّر الأحداث الجارية شرق البريج الجمعة الماضية".

يحكي يوسف وبالكاد يخرج صوته من شدة ألم الإصابة: "عدة طلقات خرجت من فوهة قناصة الاحتلال الاسرائيلي، فإذ بواحدة منها تخترق قدمي وتستقر في الركبة".

فجأة؛ باغت الألم يوسف، فاضطر على إثره للإمساك بجدار السرير تارة ويد مراسل "فلسطين" تارة أخرى، في محاولة منه لتخيف شدة ألم الإصابة، لكنّه يصر على تمسكه بحقه في العودة للأراضي المحتلة "لن نتخلى عن مقاومة المحتل حتى نستعيد أرضنا المسلوبة".

ويرى يوسف في خطوة نصب خيام العودة قرب السياج الفاصل على الحدود الشرقية لقطاع غزة، "مهمة وتثبت حقنا في العودة للأراضي الفلسطينية المحتلة".

في تلك اللحظات اشتد الألم أكثر على يوسف لا سيما أن الأنابيب الطبية تحتل جزءًا كبيرًا من جسده، تجعله غير قادر على الحركة، الأمر الذي منعه من استكمال حديثه.

انتقل مراسل "فلسطين" إلى أقسام أخرى لرصد حالات الجرحى الذين كانوا في مرمى قناصة الاحتلال قرب السياج الفاصل، كان قسم العظام في الشفاء له نصيب الأسد من الجرحى، لا سيما أن جُلها تركزت في الأقدام.

في إحدى غرف القسم، كان يستلقي الجريح إبراهيم البحطيطي (18 عامًا)، الذي أصابته طلقة نارية "متفجرة" من قناصة الاحتلال الغادرة، وهو يُسعف أحد المصابين المتواجدين قرب دوار "ملكة" شرق حي الشجاعية شرق مدينة غزة.

اخترق الطلق الناري قدمه "تحت الركبة" من الأمام وخرج من الخلف قبل صلاة الجمعة أي ما قبل ذروة الأحداث، واستطاع أن يمزق بعض "الأربطة ويفتت العظام في المنطقة ذاته" مخلفًا جُرحًا كبيرًا اتخذ شكلًا دائريًا.

ويحكي إبراهيم: "في أثناء تواجدي قرب خيام العودة، إذ بجنود الاحتلال يصيبون شابًا فتوجهتُ لنقله من منطقة الخطر، ثم يصيبون مُسنًا آخر بعد دقائق، اضطررت للعودة لإنقاذ أيضًا، إذ بطلقة أخرى كانت في قدمه".

يقسو على نفسه قليلًا وهو يتألم من إصابته، لكنّ علامات القوة والإصرار ارتسمت على تقاسيم وجهه القمحي حينما قال: "سنواصل المشاركة في المواجهات رغم الإصابة (...) حتى لو يقتلوننا لن نستسلم".

على السرير الآخر في الغرفة ذاتها، يرقد الجريح محمد صيام (24 عامًا) والذي أنقذ حياته البحطيطي، بعد إصابته من قناصة الاحتلال، في أثناء تواجده قرب دوار "ملكة".

ويقّص صيام لصحيفة "فلسطين"، أنه شارك في مسيرات العودة السلمية، دون التوجه إلى منطقة المواجهات، إذ بطلق ناري يخترق قدمي ويتفجر داخلها".

وأحدثت هذه الطلقة تهتكًا في المفصل، وفق ما تحدث صيام، ومع ذلك يُصر على مواصلة المشاركة في خيام العودة "لن نستسلم للاحتلال وسنعود لأرضنا بإذن الله".

في الغرفة المجاورة، كان الشاب الجريح رائد سعد (21 عامًا)، وهو من سكان منطقة جباليا البلد شمال قطاع غزة، حيث توجه إلى موقع "أبو صفية" شرق محافظة شمال غزة، للمشاركة في مسيرة العودة.

فما إن وصل للخيام المنصوبة هناك، إذ به يتفاجأ بعيار ناري في قدمه، أوقعه على الأرض فورًا، "كنت واقفًا بين جموع المواطنين المشاركين في الخيام"، وفق ما روى لـ"فلسطين".

تلك الرصاصة أدت إلى إحداث تكسر في العظام وقطع في بعض الأوردة في قدمي، والكلام لسعد، ففي تلك اللحظات كان السؤال له: "هل ستعود للمشاركة في الخيام السلمية؟ كانت الإجابة متوقعة من شعب جبار "نعم، سأشارك وأواجه المحتل".

هكذا هي الروح المعنوية التي يتمتع بها شبان فلسطين ورجالاتها، حيث لا مكان للتخاذل والدفاع عن الوطن والأرض التي سلبها الاحتلال من الأجداد حينما هجرهم منها عام 1948.

وارتقى 16 شهيدًا وأصيب أكثر من 1500 آخرين، بينهم حالة بتر واحدة، من المشاركين في مسيرة العودة وكسر الحصار، التي انطلقت يوم الجمعة الماضية، وفق ما أعلنت وزارة الصحة. وأول من أمس استشهد شاب شرق المحافظة الوسطى وآخر جنوب نابلس شمالي الضفة الغربية برصاص الاحتلال الإسرائيلي.