​في يوم الجريح الفلسطيني

جرحى غزة.. مواجهة مفتوحة مع الاحتلال بأطرافهم المبتورة

جانب من الفعالية في ساحة الجندي المجهول بغزة أمس
غزة - حنان مطير

كان الحادي والعشرون من شهر يوليو 2014 يوماً دموياً في حياة الشاب كريم نوفل من سكان أبراج العودة شمال قطاع غزّة، فقذيفة الدبّابة التي سقطت على بيتِه في ضرباتٍ عشوائيةٍ أصابت ساقَه بشكلٍ مباشر فبتَرتها إلى الأبد.

لكنّ إصابة نوفل لم تمنعه من الخروج كل جمعةٍ إلى الحدود الشرقية وإلقاء الحجارة على المحتلّ، يقول لـ"فلسطين" وقد جلس بجوار عددٍ من أصدقائه الجرحى في ساحة الجندي المجهول بغزّة في يوم الجريح الفلسطيني أمس الموافق 13 مارس: "أهلنا في القدس يقفون في وجه المحتل ويدافعون عن القدس والمسجد الأقصى، صباح مساء، وواجبٌ علينا نحن في غزّةَ أن نقف في وجهه ونُربكَه حتى وإن تعرّضنا للخطر، وإن كان سلاحُنا مجرّد حجر أمام مدفعياتهم وأسلحتهم المتطورة".

كان كريم لاعباً متميزاً لكرة القدم في نادي الاتّحاد الرياضي، إذ لا يمرّ يوم إلا ويلعب لعبته المفضّلة، لكنه اليوم يفتقدها بشوق، يعبر: "كلما رأيتهم يركضون خلف الكرة بسرعةٍ أعود لذكرياتي الجميلة معها، وأتمنى حينها أن تعود لي ساقي، لكنه قدر الله، وكلّي فداء للقدس ولفلسطين".

وشارك في إحياء يوم الجريح أيضاً الشاب محمد أبو الجليل (27 عاماً)، الذي بُتِرت ساقُه في عدوان 2008 على غزّة بقذيفةٍ عشوائية استشهد فيها عدد كبير وجُرح عدد أكبر.

يروي أبو الجليل لصحيفة ـ"فلسطين": "إنه اليوم الأصعب في حياتي، فما يزال اللون الأسود الدّاكن الذي غُمِرت به رِجلي محفوراً في عمق ذاكرتي، إذ تنقّلت في عدة مستشفيات في غزّة حتى انتهى بي الأمر لبتر ساقي".

ويضيف: "أحلم أن أركّب طرفاً صناعياً، حينها أظنّ أنني سأركض بقوةٍ من أقصى شمال غزة إلى أقصى جنوبها، وسأعاود ممارسة رياضة كرة السلّة التي حُرِمت منها بعد البتر".

أما الجريح بلال الناطور فأصيب خمس مراتٍ، ما بين عامي 2014- 2018، آخرها في 2 مارس من الشهر الجاري، فقد وصل لمرحلة "إدمان السّلك" كما يقول، ويقصد المداومة على المواجهة مع المحتلّ على الحدود من مسافة صفر، خاصة في يوم الجمعة.

ويجلس بلال بجوار أصدقائه وقد ثُبِّت "البلاتين" برِجلِه بعد إصابته التي أدّت لتفتّت العظم فيها إلى جانب إصابته برصاصة في الفخذ.

وكان بلال منذ سن 14 عاماً يعمل في الدّهان برفقة أولاد عمومته، لكنه اليوم عاطلٌ عن العمل كما يروي.

فيما الجريح عبد العزيز المقيّد فيتمنى أن يخرج للعلاج خارج غزّة خاصة وأنه يفتقد للإحساس بساقه اليسرى بسبب موت العصب وفق وصفه، يوضح "أُجرِيَت لي عمليتان وفشلتا، وفي الليل تحديداً أعاني من آلام حادة وكأنني مصاب بماس كهربائي".

الوفاء للجرحى

رئيس تجمع المؤسسات الخيرية أحمد الكرد، طالب في يوم الجريح السلطةَ الفلسطينية والقوى والفصائل الفلسطينية أن تكون وفيّة مع الجرحى، الذين وصفهم بالقادة الذين يحملون أوسمة الشرف، قائلاً: "لا تجعلوهم ينتظرون على أبواب المؤسسات والدوائر يطرقون بابًا بابًا، إنهم ينادون بحقهم منذ حرب 2014".

وأضاف: "13 آذار/ مارس، هو يوم الوفاء والتقدير لأولئك الجرحى الذين قدموا أغلى ما يملكون، إذ قدموا جزءاً من أجسامهم لله ثم لهذا الوطن، هؤلاء الجرحى كتب الله ألا يرتقوا شهداءً للعُلى بل جرحى يحملون وسام الشرف والعزة والكرامة على جبينهم".

وأكّد الكرد أن معاناة الجريح تتفاقم في ظل حصار غزّة فلا هم يستطيعون السفر للعلاج ولا يتوفّر لهم العلاج الكافي والفعّال.

من جهته، أكّد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش في كلمة له أن آلام هؤلاء الجرحى هي ضريبة الحرية والخلاص من الاحتلال الإسرائيلي.

وقال: "هذا اليوم عزيز على العشرات من أبناء شعبنا الذين ضحكوا في سبيل الله والوطن فقدموا أعز ما يملكون في رحلة طويلة من الجهاد".

ووصف العالم المتفرج على فلسطين المحتلة دون أن يقدّم شيئاً بالعالم الظالم، "يتفرج على معاناة الجرحى"، مؤكداً أن هذه التضحيات ليست عبثا ولا ترفا إنما فداء للوطن والحرية ولحق العودة للقدس وأراضينا المحتلة.

وأكد أن المعركة لم تنتهِ بعد مع الاحتلال، وسيرتقي الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين، مشدداً على أن "الشعب الفلسطيني هو صاحب الإرادة والعزيمة، والذي سيسقط ما يسمى بصفقة القرن، وأنه الوحيد الذي لن يسمح لترامب أن يفرض أجندته على الشعب الفلسطيني".

وأوضح أن السعي لتعزيز قوة الاحتلال في المنطقة بالتطبيع مع الكثير من الدول العربية، إلى جانب تصنيف المقاومة الفلسطينية مع الإرهاب وتشديد الحصار، وكذلك قرارات ترامب ومحاولاته في جعل القدس "أورشاليم" وفلسطين (إسرائيل)، كل ذلك لن يوقف الفلسطيني عن المضي في مشواره المقاوِم حتى بالأيدي والأرجل المبتورة والجراح النازفة.

وطالب البطش شعوب العالم بالتضامن مع الجرحى، مؤكداً أن رعايتهم مسئولية وطنية وأخلاقية يجب على المسئولين أن يقفوا تجاهها والعمل من أجلها.